‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد عكاشة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد عكاشة. إظهار كافة الرسائل

د. أحمد عكاشة

القوى السياسية تشرذمت وغداً سيكون لدينا أكثر من ديكتاتور
------------------------------------------
أجرت الحوار رانيـا بـدوى ١٤/ ١٢/ ٢٠١١
------------------------------------------


أكد الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسى، ضرورة التوصل إلى حل توافقى بشأن ميزانية الجيش، لأنه من الممكن أن يتنازل عن السلطة، ولكنه لن يقدم تنازلات بشأن وضعه الاقتصادى. وقال إن تشكيل المجلس الاستشارى مضيعة للوقت، لأن مهمته هى المشورة فقط وليس اتخاذ القرارات المصيرية، وسياسة إرضاء جميع الأطراف سياسة فاشلة.

وأضاف «عكاشة»، فى حواره مع «المصرى اليوم»، أن الجيش ظل بعيدا عن السياسة فى عهد الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحرص مبارك على إبعاده عنها طوال سنين حكمه الثلاثين، وكانت وزارة الداخلية هى التى تحكم البلاد.. وإلى نص الحوار:

■ ما تحليلك لشخصيات أعضاء المجلس العسكرى؟

- هم نخبة من الضباط المشهورين بالإتقان والانضباط والالتزام، نشأوا على الطاعة العمياء، وتربوا على مبدأ رفض النقاش مع من هو أعلى منهم فى القيادة، إضافة إلى أن كل قيادات المجلس العسكرى فوق الـ٦٠ سنة، ما يعنى بالنسبة للإنسان العادى بدء مرحلة تصلب شرايين القلب والمخ، ومن ثم فقدرتهم على التغيير محدودة، وقدرتهم على المرونة أيضا محدودة. فضلا عن أن أعضاء المجلس لم يختلطوا يوما بالمدنيين، لكن المقلب أن الرئيس السابق كلف المجلس العسكرى بالقيام بمهام رئيس الجمهورية، ومن هنا برزت أخطاء نتيجة عدم ممارستهم السياسة من قبل، لذا لا يستطيع المجلس العسكرى تفهم أن ينتقده أحد، لأنهم تعودوا على أنه لا أحد فى العالم ينتقد الجيش، وهو فى الوقت نفسه لا يستطيع التفرقة بين دوره العسكرى، ودوره السياسى الحالى، فهناك فرق كبير بين الجيش والمجلس العسكرى.

■ هناك رسائل متناقضة يرددها الإعلام فى هذا الشأن، فتارة يقول لنا إن المؤسسة العسكرية حكمت مصر حوالى ٦٠ عاما، ثم يؤكد أنها عديمة الخبرة بالسياسة، فكيف تفسر هذه الرسائل؟

- من يقل إن المؤسسة العسكرية حكمت مصر لمدة ٦٠ عاما مخطئ، لأنه فى نهاية عهد عبدالناصر تم إبعاد الجيش تماما عن المؤسسات المدنية، واستمر إبعاده عن السياسة فى عهد السادات، وفى عهد مبارك كانت الداخلية هى التى تحكم، ولم يكن الجيش يستشار فى أى قرار يخص السياسة، وأحيانا كانت المخابرات العامة تحكم مع الرؤساء، لكن رجال «مبارك» نجحوا فى إبعاد الجيش تماما عن الحكم.

■ فى رأيك، كيف يكون الخروج الآمن للجيش بعد ٦٠ عاما من خصوصية هذه المؤسسة؟

- فى رأى الكثيرين، لن يتنازل الجيش عن السلطة، رغم وعوده التى قطعها على نفسه، ورأيى أنه يعلم أن سر بقائه وقوته فى ابتعاده عن الحياة المدنية، لكن ستظهر معضلة الاستقلالية الاقتصادية الخاصة به، والتى نشأت منذ عهد الرئيس عبدالناصر، أى منذ حوالى ٦٠ عاما، فكيف نحقق معادلة استقلال الجيش، وأن يبقى للمؤسسة المدنية إشراف ما عليه، سواء كان ذلك بشكل جزئى أو كلى؟، هذا سؤال مهم يجب أن يجيب عنه السياسيون، ويضعونه فى اعتبارهم فى المرحلة المقبلة، لأننى أعتقد أن الجيش يمكن أن يتنازل عن السلطة، لكنه لن يتنازل عن استثماراته وخصوصية وضعه الاقتصادى، ويجب أن نصل إلى حل دون تخوين طرف على حساب آخر، وعلى الجانب الآخر يجب أن يظهر العسكريون نوعا من المرونة، لأن المدنيين بطبيعتهم لديهم مرونة أعلى من العسكريين، وأؤكد أنه لابد من الوصول إلى توافق، حتى إن لم يرض كل طرف ١٠٠ % . ولابد للمدنيين أن يفهموا أن العقلية العسكرية مختلفة عن المدنية، وأن كل الانقلابات العسكرية التى حدثت فى العالم انتهت بمآس.

■ البعض ينتقد المجلس العسكرى بعنف بسبب التشكك فى نواياه، ورغبته فى حماية رموز النظام السابق، فهل لذلك تأثير على رد فعل المجلس؟

- أولا، النقد الجارح للقوات المسلحة ليس فى صالحنا، وهذا خطر كبير، ليس فقط فى رد الفعل، لأننى أثق أن المجلس العسكرى وطنى، ولن يكون له رد فعل ضد البلاد، لكن على الأقل، هذا يفسر حالة الغضب الشديدة التى تنتابهم، وانفعالهم أثناء مداخلاتهم التليفزيونية، ردا على الهجوم الذى يتعرضون له، وما حدث أيضا مع الشرطة كان خطأ كبيرا.

■ لماذا؟

- لأنه لا يمكن لدولة أن تنهض إلا بالقانون، والذين يطبقون القانون هم عناصر الشرطة، وإن لم نمكنهم من أداء عملهم، ونعمل على سد الفجوة بين الشعب والشرطة، ستنهار الدولة أمنيا واجتماعيا واقتصاديا، وليس أمامنا إلا التعامل مع الأزمة على أساس أن بعض أفراد الشرطة أخطأوا، لكن ليس جهاز الشرطة بأكمله خاطئاً، وإن كان بعض عناصره عذب بعض المواطنين، فما نقوم به الآن هو تعذيب لكل الشرطة، ما يسمى فى علم النفس «التوحد مع المعتدى»، أى أن الشعب يتوحد مع سلوك الشرطة، فيعذب كل أفراد هذا الجهاز، حتى من لم يخطئ فيهم، والشرطة على الجانب الآخر تنتابها أزمة هوية، ففى كل دول العالم، من يهجم على قسم شرطة أو يعتدى على ضابط يعدم، وإذا نفذ ذلك فى مصر، سيعدمهم الشعب، وإن هربوا سنقول إنهم متخاذلون، وإن نزلوا الشارع سيهانون، وأرجو أن نبتعد عن روح الشماتة والانتقام فى التعامل مع الشرطة.

■ وبماذا تفسر بطء محاكمة الرئيس السابق فى وقت يؤكدون أن المجلس العسكرى هو من حمى الثورة، ووقف فى صف الشارع، وإذا كان ما حدث نوعاً من الانقلاب العسكرى، فلماذا لا نشهد محاكمة سريعة لـ«مبارك» للإطاحة بما تبقى من نظامه؟

- وفقا للتركيبة العسكرية التى تعودت على السمع والطاعة منذ الالتحاق بهذه المؤسسة، وحتى تولى أعلى المناصب، مع الأخذ فى الاعتبار أنهم حلفوا قسما بالله وبشرفهم العسكرى أمام رئيس الجمهورية بحمايته، فهذه ليست شيزوفرينيا، وإنما وضع طبيعى لشخص يدين بالولاء لرئيسه، خاصة أنه لم يكن يتوقع أحدهم ما حدث، وإن كنت أرى أنه لو لم تقم الثورة وقرر مبارك توريث الحكم لنجله «جمال»، لنفذ الجيش انقلابا عسكريا لإزاحته، لأنهم لم يكونوا ليقبلوا أن يتولى مدنى قيادة القوات المسلحة.

■ هذا يعنى أنهم لن يقبلوا برئيس مدنى الآن؟

- الوضع مختلف بعد الثورة، فلم يعد أحد يستطيع الوقوف أمام رغبة الشعب، لكن كما قلت، فإن الرؤساء الثلاثة السابقين منحوا الجيش حق إقامة مؤسسات اقتصادية للحصول على ولائه، ومن الممكن التوصل إلى اتفاق ما يحافظ على هذه المكتسبات، وقرأت مؤخراً أن الجيش سيمنح البنك المركزى مليار دولار من ميزانيته لدعمه بعد نقص الاحتياطى النقدى، مليار دولار من الجيش، أمال عندهم كام؟، أعتقد أنهم لا يريدون حكم مصر، لكن من الصعب أيضا أن يتنازلوا عن الاستثمارات الاقتصادية، والسؤال هنا: هل ستخضع لإشراف الجهاز المركزى للمحاسبات؟، لا أستطيع الجزم بذلك، وأترك الأمر للخبراء.

■ لو افترضنا أن المجلس العسكرى سيسلم السلطة كما وعد، فكيف يضمن عدم الاستدعاء للمحاكمة بعد تركه لها، بتهمة قتل المتظاهرين فى ماسبيرو، أو أحداث محمد محمود، على غرار محاكمة المسؤولين السابقين فى قتل ثوار ٢٥ يناير؟

- لو تم إجراء محاكمة عادلة وسريعة لمن تورط فى هذه الأحداث، سواء من ضباط عسكريين أو مدنيين، سينتهى الأمر.

■ ما رأيك فى فكرة المجلس الاستشارى، وهل تراها ترضى الشارع بدعوى أن المجلس يتواصل مع الجميع؟

- أعتقد أن اختيار ٣٥ شخصا من مختلف الفئات السياسية للمشورة بمثابة مضيعة للوقت، فنحن فى حاجة للبناء، والبلاد معرضة للإفلاس، ولو مرت هذه الأشهر القليلة دون أن نتخذ خطوات جديدة ستنهار، والمجلس الاستشارى سيعطى النصيحة لكنها غير ملزمة، وأمور الدولة يجب أن يتولاها القائمون على الحكم. فمصر الآن ملهاش كبير، لأن كل فئة ديكتاتورية مصغرة، وأعضاؤها يختلفون حول كل شىء، ولابد أن يكون هناك قرار حاسم، ولا يمكن أن يصدر قرار لا يغضب البعض، ونحن نعيش عصر الديكتاتوريات، ولا أحد يريد أن يمتثل للقرار، ولا القائمون على الحكم قادرون على اتخاذه، وفكرة أن المجلس العسكرى يريد أن يرضى كل الأطراف سياسة فاشلة بالطبع.

■ لكن الجيش ليست لديه خبرة سياسية، والنتيجة أخطاء لا حصر لها منذ بداية الثورة؟

- المجلس العسكرى يمكن أن يستمع للخبراء دون لجنة استشارية.

■ مصر تعيش حالة فتن كبرى، وصراع بين الليبراليين والإسلاميين، والجيش والثوار، والإعلام والنخب السياسية، فى تحليلك ما الذى يحدث؟

- سؤال صعب، وكان أملنا فى توحد المصريين بعد ثورة ٢٥ يناير، كما كانوا خلال الثورة، فعندما اجتمعت نخبة الشباب المثقف فى طليعة المشهد الثورى، وانضم إليهم باقى الشعب شباباً وشيوخاً، مسلمين ومسيحيين، رجالاً ونساء، على هدف واحد هو الحرية والعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن- تحقق الهدف وسقط النظام، أما الآن فللأسف هذه الروح الجماعية اختفت بتشرذم الأحزاب والتيارات السياسية وشباب الثورة حتى تحول الأمر من انتماء للوطن إلى انتماء لمصالح كل فئة على حدة، وأصبح مفهوم الديمقراطية مختلاً، بل أصبح مجرد شعار يلوح به الجميع دون ممارسة، فالديمقراطية هى قبول الآخر فى حين أن كل فئة وفصيل وتيار يرفض قبول الآخر، ويعتبر أن رأيه هو الصحيح، حتى التيارات الإسلامية نفسها مختلفة فيما بينها فى فهم الإسلام، وهذا يعنى أنه فى المرحلة المقبلة سيكون لدينا أكثر من ديكتاتور بدلا من ديكتاتور واحد.

■ إذا أجريت تشريحا للشخصية المصرية خلال الأحد عشر شهرا الماضية، فماذا تقول؟

- أولا، ما قيل على لسان ابن خلدون من أن الشخصية المصرية سلبية، وتميل إلى الخنوع، وتأليه الحاكم والاحتكام إلى النكتة والسخرية أكثر من الاعتماد على المعارضة الإيجابية، ثم ما قاله الباحث جمال حمدان بأن الناس تميل إلى الخضوع والسلبية وعدم القدرة على مواجهة الحاكم- تبدد إلى حد كبير أثناء ثورة ٢٥ يناير، لتظهر شخصية مصرية أخرى تميل إلى الوسطية والاعتدال والتعاطف وحب الأرض والانتماء، وكل ما هنالك أن هذه الصفات كانت مكبوتة بالقمع والاستبداد من أيام الفراعنة، وتشخيصها من قبل العلماء كان يعتمد على ما هو واضح على السطح، وبحسب ما بدا ظاهراً من سلوكيات المصريين بعد تأثرهم بالظلم والكبت والقهر، حتى إننى قلت قبل الثورة إن كثيرا من أخلاق المصريين أخلاق «عبيد» بمعنى النفاق والكذب والانتهازية والفهلوة والمداهنة والتملق، ويزيد على ذلك الخضوع والسلبية وتبجيل الحاكم أمامه وسبه من خلفه، فكرامة وعزة المصرى إلى حد ما كانت منهارة، لكن بعد الثورة ظهرت الشخصية المدفونة فى المصريين، ولا يوجد بلد فى العالم عاش لأشهر يأكل ويشرب ويذهب للعمل دون وجود أمن إلا فى مصر، وظلت اللجان الشعبية تحميه لمدة شهرين، كان فيه صاحب العمارة مع البواب، الطفل مع الكهل، القبطى مع المسلم، جنبا إلى جنب، هذا الوعى له علاقة بالجينات الوراثية، ففى أمريكا عندما قطع التيار الكهربى عن لوس أنجلوس ونيويورك فى وجود البوليس الأمريكى بكل ما له من صيت، حدثت ٢٠٠ ألف حالة نهب فى ٤ ساعات، وفى اليابان بعد الزلزال حدثت ١٥ ألف حالة، وفى مصر لم نصل إلى هذه الأرقام أبدا.

■ لكن لماذا عادت أخلاق المصريين للانهيار بعد الثورة، ولماذا زاد العنف والاعتداء على الأراضى الزراعية وغيرها من المخالفات؟

- لأن موجة الثورة ركبتها تيارات لا علاقة لها بالثورة، وبدأ الصراع على المصالح الضيقة الخاصة، وليس مصلحة البلد، وعلى الجانب التنفيذى سنجد أن أى ديمقراطية تعتمد على الشفافية والمساءلة وتداول السلطة، لكن المواطن المصرى شعر بأنه لا توجد شفافية، فلم يصدر بيان يوضح من هم من هجموا على السجون والأقسام بعد الثورة، ولا من قتل المتظاهرين، ولا من هم المعتدون على الكنائس، ومن المتورط فى أحداث ماسبيرو، وغيرها، فهل يعقل أن كل هذه الأجهزة الأمنية من شرطة وجيش ومخابرات عامة ومخابرات عسكرية لا تستطيع الوصول إلى هذه القلة المندسة التى يصرحون باسمها ليل نهار عقب كل أزمة؟، وهذا ما عزز من مخاوف المصريين، واختلت الفرحة بالثورة، وانقسم الناس حولها، وكانت النتيجة أنه فى نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات حصل السلفيون، الذين كانوا متحالفين مع النظام السابق على مركز متقدم عن شباب الثورة.

■ «مبارك» يحاكم، فى حين يتحدث الإعلام حول الإسلاميين وصعودهم، فما تفسير ذلك؟

- أولا مبارك لا يحاكم، فهل يعقل أن تأخذ المحاكمات كل هذه المدة؟، ويستغرق رد المحكمة وحده ٣ أشهر؟، ما يحزننى فعلا أنهم أخذوا يشغلون وقتنا بهذه المحاكمات، فى حين كان من الممكن أن تنتهى فى ثلاثة أو أربعة أشهر، وننتبه إلى بناء مصر، ثم إننا نحاكم «مبارك» مدنيا، والثوار يحاكمون عسكريا، نحاكمه على بضع فيلات وقصور، ولم نحاكمه على فساد طال البلاد طيلة الثلاثين عاما الماضية. أما عن سبب نسيان المحاكمات كما تقولين، فهذا لأن إحدى سمات الشخصية المصرية طيبة القلب والقدرة على التسامح ونسيان الأحداث المؤلمة ومحاولة إيجاد أحداث جديدة لتنسينا الأحداث المؤلمة، فهى شخصية مشابهة للقرص الفوار، يفور جدا وسرعان ما يهدأ، وهذا يعنى عدم النضوج، فالشخصية الناضجة هى التى تتميز بالمثابرة والإصرار ومحاولة الإتقان فى العمل، ولا نستطيع التعميم، لكن الغالبية ليس لديها نضوج.

■ وهل يستغل السياسيون هذه الصفات فى المصريين؟

- الأذكياء منهم يلعبون على هذا الوتر، أن المصرى ينسى سريعا، خاصة أن مخ الإنسان لا يستطيع أن ينشغل بعدة أمور فى نفس الوقت، هو فقط ينشغل بحسب المنبهات، ولو ظل الإعلام يتحدث عن الانتخابات سينشغل بها، ولو حول الدفة على الإسلاميين سيكون ذلك محل اهتمام الناس وهكذا، فالأجهزة الإعلامية تلعب دورا كبيرا فى تهييج الناس، ليس للمصلحة الوطنية، ولكن ربما لكسب المزيد من الجمهور أو زيادة الإعلانات، والنتيجة أن الناس أصبحت مشغولة ببرامج التوك شو ولم تعد تشاهد أفلاما أو تسمع موسيقى، وكلما احتوت المنظومة المعرفية على فن وأفلام وثقافة حدث توازن للمخ، والدول الأوروبية أيام الحرب العالمية كانت حريصة، فى أوج الحرب والتدمير، على أن تعرض على جمهورها أفلاما وحفلات، لكن ما يحدث فى مصر غير مسبوق، كما أن الإعلام أثر فى نتائج الانتخابات، لأن عددا من المرشحين نجح لأنه الأكثر ظهورا فى الإعلام، وليس لأن له برامج انتخابية متميزة.

■ منذ بداية الثورة والمواطن يتعرض للكثير من التناقض فى المعلومات والآراء حول الشىء الواحد فإلى أى مدى يؤثر ذلك على المواطن؟

- كلما كانت الرسائل التى تعطى لمخ الإنسان متناقضة، كانت قدرته على التوازن النفسى مختلة، ففى النهاية يصاب الإنسان باللخبطة والإحباط، والأخير تنتج عنه مضاعفات، ونحن الآن نعيش مضاعفات الإحباط.

■ وما هذه المضاعفات بالتفصيل؟

- العنف والعدوان على الذات والآخر، حيث تصبح قدرة الإنسان على التحكم فى الغضب محدودة، ويثور لأقل شىء، وقد لاحظنا ذلك حتى مع السياسيين أثناء مؤتمرات الوفاق الوطنى، إذ قام الناس وضربوا بعضهم البعض، وهؤلاء هم المتعلمون والنخبة، كذلك العدوان اللفظى بين التيارات وبعضها، وفى الشارع كل شخص يحصل على حقه بنفسه، لأن هيبة الدولة اختفت، إضافة إلى القلق والخوف والترقب غير المريح لما قد يحدث، ثالثا، الاكتئاب واليأس والإحساس بالعجز وإنه «مفيش فايدة»، والإحباط ينتج اللامبالاة، ويلى ذلك المداومة، وتعنى أن نسلك نفس السلوكيات الخاطئة التى كنا نمارسها من قبل.

■ هل الخوف من تصاعد التيارات الإسلامية مبرر من وجهة نظرك؟

يوجد فى الطب النفسى ما يسمى بالإزاحة، فنتيجة أنه لم يتحقق شىء طيلة الأشهر العشرة الماضية، يحدث نوع من الإزاحة للإحباط من شىء إلى آخر، هذا ما حدث مع نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات، إذ تحول الحديث من محاكمات النظام السابق إلى صعود تيارات الإسلام السياسى ومدى تطرفهم، إضافة إلى أن الإعلام أظهر الإسلاميين المعتدلين مثل المتطرفين، فشوه المسألة، وعندما يتكالب الإعلام على شخصيات تقول إنها ستمنع سياحة الشواطئ، وعيون المرأة جنسية، ويتكالب على شخص خرج من السجن بعد الحكم عليه بالمؤبد، لاستضافته فى كل البرامج، فهو يتخذ موقفا من الإسلاميين، ويمارس حالة من تخويف الناس، لكننى لست قلقا من الإسلاميين، وأرى أن الإخوان معتدلون، ولديهم من الذكاء السياسى ما لا يجعلهم يعتدون على الحريات الشخصية.

■ هل من الممكن أن يتحول الإخوان إلى حزب وطنى آخر لو حصلوا على الأغلبية فى البرلمان القادم؟

- التغير فى شخصية الأغلبية يحدث فقط فى حالة التسلط المطلق، عندما لا توجد شفافية ولا محاسبة ولا مساءلة، وعندما تتعامل الأغلبية بمنطق أن المحاسبة تأتى من الله والتاريخ، لكن الشعب ليس له هذا الحق، وأذكر هنا اللورد أوين رئيس الحزب الليبرالى البريطانى، وأصله طبيب نفسى، لكنه ترك المهنة واشتغل بالسياسة حتى أصبح وزير الخارجية البريطانى، وقدم ما يسمى بمتلازمة الغطرسة، قال فيها إن الإنسان عندما يبقى فى السلطة طويلا يتوحد مع الكرسى، وأى نقد له يعتبره خيانة للوطن، ويعتبر نفسه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ هذا الوطن، ولا يقبل إطلاقا أى نصيحة، وأعتقد أنه لا أحد سيترك أى تيار يصل إلى هذه المرحلة مرة ثانية، كما أن الدستور القادم سينص على أن مدة الرئاسة فترتان، وستكون هناك مساءلة من الشعب، وهذا ينطبق على الرئيس القادم.

■ ما هو تفسيرك لتحقيق السلفيين مركزا متقدما عن شباب الثورة وباقى الأحزاب فى الانتخابات؟

- سمعت أن السلفيين لم يؤدوا الخدمات التى أداها الإخوان المسلمين، لكن الملايين التى حصلوا عليها من الخليج ساهمت فى هذا الفوز، ثم إن ثقافة الأميين تأتى من خطيب المسجد، وهذا الخطيب يعتمد فى خطبته على رسالة مؤداها أننا فى الدنيا حرمنا من كل شىء والخلاص فى الآخرة، ومعظم خطباء القرى ممن سافروا إلى الخليج وتأثروا بالأفكار الوهابية، إضافة إلى أن هناك شريحة كبيرة من ساكنى القرى يبحثون عن لقمة العيش، ولا يعنيهم الحديث عن الحرية والعدالة والشعارات التى ترفعها بقية الأحزاب.

----
نشر في المصري اليوم بتاريخ 14/12/2011
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=320869

د.أحمد عكاشة




النظام يخشى الشعب بدليل وجود مليون ونصف المليون ضابط و«عسكرى»
----------------------------------------------------
حوار رانيا بدوى ٢٢/ ١/ ٢٠١١
-----------------------------------------------------


وصف الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسى البارز، محاولات الانتحار والشروع فيه، التى قام بها عدد من المواطنين، فى الآونة الأخيرة، بأنها «صرخة احتجاج»، على الأوضاع التى يعيشونها، وقال إن هذه الحوادث وراءها الرغبة فى توصيل رسائل سياسية للمسؤولين.

وأضاف «عكاشة»، فى حواره لـ«المصرى اليوم»، الذى أجاب فيه، عن ١٠ أسئلة «حساسة»، أن حرص الحكومة على التهدئة وعدم رفع الأسعار، بعد أحداث تونس، هو «قصر نظر سياسى»، وأكد أن كلاً من الشعب والنظام يخشى الآخر.. وإلى نص الحوار:

■ ارتفعت معدلات الانتحار والشروع فيه فى الآونة الأخيرة.. ما تفسيرك؟

- هى صرخة للاحتجاج على محنة أو كرب، والتعبير عن الإحباط الذى يمر به الإنسان، أما عن زيادة العدد فتفسيرها أنه بكثرة الحديث عن هذا النوع من الانتحار فى وسائل الإعلام، تزداد الظاهرة، ومن المرشح أن تزيد أكثر إذا تحدثنا عنها أكثر، وهذا ينطبق على جميع الظواهر النفسية من انتحار وقتل وسرقة واغتصاب، فهى ظواهر تنتشر بكثرة الحديث عنها، وفى دراسة أجريت فى السويد بعد ارتفاع معدلات الانتحار، وجد أن الإعلام أحد الأسباب، فمع منع ذكر الانتحارات لمدة ٦ أشهر فى الإعلام، وجد أن النسبة تقلصت ووصلت إلى ٤٣٪.

■ الحكومة وصفتهم بـ«مرضى نفسيين»؟

- هذا ليس أسلوب المريض النفسى فى الانتحار، فالمريض النفسى عندما ينتحر عادة ما يكون بآلة حادة ويصور له عقله أسباباً للانتحار لا علاقة لها بمرضه، أما هؤلاء المنتحرون فأسبابهم واضحة، هى البطالة وعدم الرضا عن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، فمنهم من ذهب أمام مجلس الشعب ظناً منه أنه مصدر القرار ليعبر عن شكواه ويلفت الانتباه لأوضاعه.

■ ما الفارق بيننا وبين الشعب التونسى؟

- كل الإخوة فى شمال أفريقيا عانوا طويلاً من الاستعمار الفرنسى ودخلوا فى حروب طويلة، وهذا ما جعل لهم شخصية تختلف عنا، فقد تعايشنا نحن مع الاستعمار التركى، أما الاستعمار الفرنسى فخرج بمفرده، والمواجهة مع الإنجليز كانت أحداثاً فردية، وهذا يعكس أن الشعب المصرى بطبعه يميل إلى المسالمة أكثر من المواجهة ويميل إلى الوسطية.

■ لكن الجوع وغلاء الأسعار يلتهمان الشارع المصرى حالياً؟

- نعم.. لكن للأسف المواطن المصرى متمركز حول ذاته، والدليل أن كل الإضرابات والاعتصامات تمت لأسباب فئوية وليست لهدف عام، ولم تحدث مظاهرة لسبب عام، إلا فى حالة خالد سعيد، قتيل الإسكندرية، فى تايلاند مثلاً نجد مظاهرات عارمة لعدم نزاهة الانتخابات، لكن فى مصر النظام يفعل ما يشاء فى الانتخابات ولا أحد يتحرك.

■ هل لغياب الطبقة المتوسطة دور فى ذلك؟

- من يقم بالثورات فعلاً الطبقة المتوسطة، والطبقة المتوسطة فى مصر نصفها نزل تحت خط الفقر، والنصف الثانى صعد إلى الطبقة الأعلى بطرق غير مشروعة.

■ انتحار ٦ مواطنين وبقاء الوضع مستقراً.. هل ذلك يزيد النظام اطمئناناً؟

- لا.. الشعب والنظام خائفان وتعادل الخوف هو الذى أحدث لحظة السكون هذه، كل قابع فى مكانه.. فالشعب يخاف الخروج إلى الشارع حتى لا يعتقل ويسجن.

■ ما دليل هذا الخوف؟

- عندما يكون لدى النظام مليون ونصف المليون ضابط وعسكرى أمن مركزى إذن هو نظام خائف، عندما يكون الأمن السياسى أهم من أمن المواطن إذن النظام خائف، إذا كانت ميزانية الأمن أكبر من ميزانية التعليم والصحة إذن النظام خائف.

■ لكن قيل إن ما حدث فى تونس لن يتكرر فى مصر؟

- حزنت لذلك الكلام واندهشت لتصريح «أبوالغيط» وأرى فيه استفزازاً أكثر للناس واستهزاء بمشاعرهم.

■ يحاولون تهدئة الأحوال بالتنبيه على التجار بعدم رفع الأسعار، ودول أخرى مثل الكويت منحت شعبها طعاماً مجانياً لعام كامل.. كيف تفسر هذه الحلول؟

- قصر نظر سياسى، وحلول وقتية لا طائل منها.. نحن نريد إصلاحاً كاملاً للأوضاع بممارسات استباقية حتى لا تقع الكارثة.

■ هل يمكن للحاكم أن يتراجع دون أن يصل بنا الحال إلى ما وصلت إليه تونس؟

- عادة صاحب القوة لا يتنازل أبداً إلا إذا رأى غضباً شعبياً، وإن كنا نأمل ألا نصل إلى هذه الدرجة من الخطورة.

د. أحمد عكاشة

يتحدث لـ «المصرى اليوم» عن الصحة النفسية لـ«الحكومةوالشعب»
قادة مصر امتداد لمسلسل القهر الذى بدأه الاستعمار ضدالمواطنين
----------------------------------------------------------
حوار رانيا بدوى ٢٨/ ٩/ ٢٠٠٩
----------------------------

دائماً ما يصدمنا الدكتور أحمد عكاشة رئيس جمعية الطب النفسى بآرائه الجريئة.. لكنه عندما سألته «المصرى اليوم» عن الوزراء الذين يحتاجون إلى زيارة لعيادته أجابنا بضحكة مجلجلة ساخرة.

ودائما ما يستند الدكتور عكاشة فى آرائه إلى الدراسات والأبحاث العلمية والتحليل النفسى، وخلال حواره حذر الحكومة من انضمام رجل الأمن إلى الشارع وقت «الزنقة» وأرجع التشوهات المجتمعية التى تسيطر على الشعب المصرى إلى غياب الضمير والقدوة وانعدام القيم.

وقال إن التليفزيون المصرى يوزع العلل النفسية على المجتمع بالعدل نتيجة العشوائية فى سياسته وبرامجه.

وحذر من غياب العدالة، لافتاً إلى أنها تدفع الفرد للحصول على حقه بيده، مما يؤدى إلى انتشار السرقة والقتل والبلطجة، وأعرب عن حزنه الشديد لأن المشهد العام للإضرابات لا يسعى لتحقيق أهداف قومية، وقال إن الشباب يلجأ إلى الدين والتطرف والإدمان نتيجة شعوره باليأس والاغتراب، ويرى أن أخطر أمراض السلطة هو السلطة ذاتها، لأنها هى التى تدفع الأب للتخلص من ابنه، والزوج من زوجته، والابن من والده.. وإلى نص الحوار:

■ ماذا يعنى مفهوم الصحة النفسية.. وكيف ترى صحة المصريين النفسية؟

- الصحة النفسية تعنى جودة الحياة، وتعريفها هو قدرة الإنسان على التكيف مع مشاكل الحياة، وقدرته على الصمود كلما حدث له ظلم أو حزن أو ألم، أما الشخص الذى لا يستطيع التكيف مع أمور الحياة فتكون صحته النفسية غير سوية، والشخص يستطيع أن يعمل ويحب بكفاءة ويخدم الآخرين، كلما أصبحت صحته النفسية جيدة.. باختصار الصحة النفسية تعنى أن يشعر الإنسان أن له قيمة ولديه حرية التعبير عن نفسه.

وار:

■ ما هو تقييمك لصحة المصريين النفسية؟

- الصحة النفسية لمعظم المواطنين فى مصر غير سوية بالمعنى العام.. والسبب.

كثرة الإحباطات التى تصيب المواطن المصرى، أدت إلى عدم قدرته على الصمود، الفقر والظلم وانعدام العدالة، الفساد، والبطالة، الازدحام وتردى التعليم والصحة، كل هذه الأشياء تجعل قدرة الفرد على التكيف أقل، فتلاحظين أنه مع كل حادثة فى الشارع، يتشاجر الناس مع بعضهم بدون داع، فلم يعد أحد يتحمل الآخر، المساءلة غير موجودة فى مصر، لذا من الممكن أن يصل من لا يعمل إلى منصب عال، وفى المقابل نجد أن شخصاً آخر يعمل ولا ينال حقه، فلا أضمن لك أن تعملى، وفى نفس الوقت تصلين إلى أعلى المناصب، العمل الجاد والعلم لا يوصلان إلى أى شىء فى مصر.

فالإنسان المصرى لم يعد يشعر بآدميته سواء فى التعامل مع الشرطة أو المؤسسات الحكومية أو القضاء أو غيره، فمن أين تأتى الصحة النفسية إذن.

■ وما هى آثار غياب الصحة النفسية على المصريين؟

- عدم وجود الصحة النفسية يعنى السلبية واللامبالاه، ضعف الإنتاج، عدم التطور والتقدم، ويتحول الشارع إلى حالة من الحقد، فتجدين الطفل خلال سيره يجرح سيارة بمسمار، أو يرمى قشرة موز فى الشارع ليؤذى الناس، وكل هذا يعنى أننا لا نحب البلد.

■ هل للاقتصاد علاقة بانكسار الشخصية المصرية وتدنى إنتاجها.. أحياناً نلاحظ عدم رغبة البعض فى العمل.. ومن يعمل لا يجيد عمله.. وأصبح من الطبيعى أن تسمع العامل يردد «على قد فلوسهم».. وينسى أنه قبل من البداية أن يعمل مقابل هذه القيمة.. أو أنه يعلم مسبقاً أن الحكومة رواتبها ضعيفة، وبعد تعيينه فى الوظيفة يبدأ فى الإهمال مدعياً ضعف الرواتب؟

- التغيرات الاجتماعية والسياسية فى السنوات الماضية أثرت فى نفسية الفرد، حتى أصبح غير منتج، ولا أرى حلاً طويل المدى لتحسن الاقتصاد إلا بتغيير نفسية الفرد وإحساسه بالانتماء، والأهم هو البدء فوراً فى عملية التغيير النفسى، الذى يجب أن يسبق التغيير السياسى والاقتصادى، لأنه ينبع من العمق والإقناع، أما التغييرات الأخرى فهى تمتلئ بالخوف والإرهاب، وهى وقتية وزائلة، ولا أمل فى تحسين الاقتصاد إلا بظهور الحرية والديمقراطية التى تنمى وتنضج الشعب، حتى يتحمل مسؤوليته مع الحاكم ويشاركه فى السراء والضراء لأنه لن يتحمل ذلك وهو مكبل اليدين، إن حماية الأمن وازدهار الاقتصاد يتوقفان على إحساس الفرد بالانتماء.

■ لكن مركز المعلومات أصدر دراسة مفادها شعور عدد كبير من المصريين بالانتماء؟

- المشكلة فى مصر أنه ليس لنا قدوة فى البلد لتعلم الشباب حب البلد والانتماء، ومن أين يأتى الانتماء فى بلد لا توجد فيه شفافية، لا أحد يعلم لماذا تتم إقالة وزير ما أو كيف يختار الآخر، لا أحد يعلم ماذا يحدث فى البلد المسألة مرتبطة بنزوة الحاكم.. من يخطئ لا يعاقب، والعقاب مقتصر على الفقير، وتداول السلطة غائب.. والأخوة فى الحزب الوطنى لا يفهمون أن وجود أحزاب معارضة معناه أن يسعى الحزب للوصول إلى السلطة، وهو هدف نبيل وطبيعى لكن الحزب الوطنى يراه هدفاً غير نبيل، ولا يجوز لأى حزب أن يسعى إليه، وإلا اعتبرت جريمة، كل ذلك يجعل المواطنين بدون انتماء.

■ هل تثق فى دراسات مركز معلومات الوزراء؟

- هى مجرد مسوح تتوقف على طريقة اختيار الناس الذين يمثلون عينة الدراسة وفى مصر حينما تسأل أحداً: هل أنت سعيد؟ يقول لك الحمدلله، فهل هذه الإجابة تعنى السعادة، وهل يمكن القول بعدها إن الشعب المصرى سعيد.

■ ماذا عن أزمة الثقة التى يعيشها المجتمع الآن، وهل هى إحدى دلالات اعتلال الصحة النفسية؟

- مركز معلومات مجلس الوزراء الذى سبق وأكد سعادة المصريين، هو نفسه الذى قال فى دراساته إن ٨٢٪ من المصريين لا يثقون فى بعضهم البعض، ولا فى الحكومة ولا فى المرؤوسين، وإن الأباء والأبناء لا يثقون فى بعضهم.

وهناك كتاب لكاتب يدعى كوفى، اسمه سرعة الثقة، يشير إلى أن نسبة الثقة بين الناس فى الولايات المتحدة ٦٠٪.. وتراجعت فى عهد بوش إلى ٤٠٪ وفى بريطانيا ٤٠ وتركيا ٨٢٪ والبرازيل ٨٢٪ لكن كوفى رفض تقييم الثقة فى البلاد العربية إهمالاً لنسبها الضعيفة، وجاءت البلاد الأفريقية أعلى منا فى مدى ثقتهم فى بعضهم البعض.

■ هل للديمقراطية أو الديكتاتورية يد فى اعتلال الصحة النفسية أو تحسنها للشعب؟

- الديكتاتورية لا تظهر إلا فى شعوب تتميز بعدم النضج، فالحاكم الأوحد يحب أن يحكم شعباً فى مرحلة الطفولة، وقد استطاع الاستعمار منذ مئات السنين أن يجعل شعبنا طفلاً، ثم تولى المصريون حكمهم بواسطة قيادات كان أولى بها أن تنضج هذا الشعب وتزرع فيه روح المسؤولية والمشاركة، غير أن هذه القيادات كانت امتداداً لمسلسل القهر والضغط والكبت، فأصبح الشعب أكثر طفولة بمعنى عدم النضوج الانفعالى، والدفاعية وعدم المثابرة وعدم الانتماء وأصبحت الشخصية النفسية منكسرة.

■ الأمراض النفسية للمسؤولين فى الدولة هل تنعكس على قراراتهم وبالتالى على الشعب؟

- أى قرار صادر من مختل يؤثر بالطبع على الناس.

■ ما هى أشهر أمراض المسؤولين فى الدولة؟

- السلطة.. فهى مرض، وحبها يَجُبُّ حب الأب والأم، فكم من آباء تخلصوا من أبنائهم من أجل السلطة، وكم من أبناء تخلصوا من آبائهم من أجل السلطة، وأقرب مثال فى عمان وفى قطر، والحبيب بورقيبة وتيتو اللذان سجنا زوجاتهما من أجل السلطة، وحب السلطة ليس فقط فى السياسة ونجد مثلاً أستاذ فى الجامعة يظل لسنوات ويطلب المد له حتى يبقى محتكراً للعلم والمنصب، ويكون لدى محب السلطة شعور دائم بوجود محاولات للتخلص منه، وأبرز مثال على ذلك قصة استانلى الذى كان يقول إن من حوله يضعون له السم فى الأكل، وعندما تم عرضه على الأطباء قالوا إنه يعانى من البارانويا، لحرصه على السلطة، وأنه يحتاج إلى علاج، ولما قالوا ذلك أمر بإعدام الأطباء.

■ نفسياً هل يمكن للشخص أن يعطى كل حياته للمنصب، أم أن هناك لحظة لا يستطيع فيها تقديم المزيد؟

- طول مدة السلطة تخلق حالة من الجمود، ويتلاشى التجديد مهاتير محمد نموذج لرئيس يمتلك الشجاعة وقوة الشخصية، فقد أعطى بزخم، وعندما أحس أنه لا جديد لديه أعلن تنحيه عن منصبه، ليتركه لدم جديد، وهذا أمر يحتاج إلى أن يكون الرجل يتمتع بالصحة النفسية.

مثال آخر، وهو نيلسون مانديلا الذى سجن ٣٧ عاماً وخرج وجلس ليحكم لمدة ٣ سنوات، قبل أن يترك منصبه، ولم يفكر فى الانتقام لسنوات سجنه بالجلوس أطول مدة ممكنة على العرش.

والطبيعى فى كل بلاد العالم أن الذى يجلس على كرسى الحكم مدة طويلة يشك فى كل من حوله، ويصل إلى مرحلة لا يستطيع أن يقدم لبلده شيئاً وينحسر كل تفكيره.. كيف يستمر فى السلطة وهى تماماً كما قالها الأستاذ هيكل «السياسة فى مصر هى حب البقاء».

■ وأنت تتابع تصريحات المسؤولين والوزراء وقراراتهم السياسية من هو الوزير أو المسؤول الذى ترى أنه فى حاجة لزيارتك؟

- ضحك قائلاً سأجيبك بطريقة مختلفة.. كتب أحمد رجب فى «نصف كلمة» أن هناك وزيران يعالجان لدى طبيب نفسى كبير.. فاتصلت به معقباً إذا كان هناك وزيرين يعالجان من مرض نفسى فهذا أحسن كثيراً من باقى الوزراء الذين فى حاجة إلى علاج ولا يذهبون للطبيب، وضحك الدكتور عكاشة ولم يكمل باقى الإجابة واكتفى بما قال.

■ أعدت عليه السؤال بطريقة أخرى عله يجيب فبادرنى بالقول:

المسألة ليست فقط خللاً أو مرضياً نفسياً، الأزمة أن هناك وزراء وصلوا إلى مناصب وهم ليسوا أهلاً لها، الوزراء «بيدربوا سياسة فينا» فلا يشترط أن أفضل جراحاً يكون وزيراً للصحة، ولا ضابطاً فى الشرطة وزيراً للحربية، وكل هذا لم يظهر إلا بعد الثورة فأحسن وزير داخلية قبل الثورة، كان فؤاد سراج الدين كان محامياً وليس ضابط شرطة، لا توجد سياسة فى مصر نحن حرمنا طلاب الجامعة من ممارسة السياسة منذ ٥٠ سنة، فكيف لنا أن نخرج كوادر سياسية.

■ ذكر لى المستشار عدلى حسين فى حوار لـ«المصرى اليوم» أن أكبر عقاب للحكومة، هو أن يستغنى المواطن عنها كما هو الآن.. فما رأيك فى ذلك؟

- المواطن بدأ بالفعل يستغنى عن الحكومة فى كل جوانب المعيشة، يعنى مثلاً بدأ يقيم الأماكن العشوائية بنفسه، ويستغنى عن الكهرباء والمياه والصرف الصحى، وهذه العشوائيات يمكن استقطاب أهلها بسهولة، واتجاه الشباب للتطرف، ما هو إلا إسقاط لحالة اليأس الداخلى وشعوره بالاغتراب داخل وطنه، وعن طريق تقديم قليل من الخدمات مثلاً من قبل المتطرفين يمكن ضم شباب العشوائيات إلى صفوفهم، مثل إنشاء مستوصف أو تزويج أبنائهم، فى الصعيد حينما تحدث عملية قتل يأخذون بالثأر ولا يلجأون للحكومة، وما يحدث الآن هو نوع من الانفصام والفجوة الشديدة بين الشعب والحكومة، إضافة إلى أن بطء التقاضى وازدحامه، جعل المواطن ويأخذ حقه بنفسه، فانتشرت السرقة والنهب والبلطجة، وبالتالى كلام المستشار عدلى حسين صحيح تماماً.

■ إذا تحدثنا عن الإضرابات المهنية.. هل تعد حالة من استعادة الصحة وإفاقة من سلبية دامت سنوات؟

- للأسف لا.. وحزنت كثيراً لأن كل الإضرابات فى مصر إضرابات مهنية، من أجل لقمة العيش، وليست لهدف قومى، وكلها كانت بحثاً عن زيادة فى الراتب وتحسين أوضاع فى العمل وكل فئة مهمومة بمشاكلها فقط.

■ وماذا عن إضراب ٦ أبريل وكيف قرأته؟

- ٦ أبريل لم يكن له هدف عام ولا قيادة جيدة، إضافة إلى أننا دولة بوليسية، وأى محاولة من أى شخص أو حزب يحاول أن يصل إلى السلطة، يوقفه الحزب الوطنى عند حده، ويمنع احتجاجه وإضرابه، وإن كانت الإضرابات فى حد ذاتها أمراً جيداً، ولكن هذا كان له هدف وقيادة كاريزيمة، تدفع الناس للالتفاف حولها، وهنا لا يسعنى إلا أن أحيى الحكومة التى أوصلت المواطن المصرى إلى هذا الحال المخزى، وأقول لها إنه فى وقت الزنقة سينضم الأمن إلى الشارع.

■ وما هو وقت الزنقة؟

- عندما يحدث استبداد وظلم.

■ البعض يعانى من ظلم واستبداد ومع ذلك لم يحدث شىء؟

- ابتسم قائلاً: كل شىء له وقته.

■ يقول البعض إن هذه الحكومة من هذا الشعب، فلو أنها فاسدة فالشعب أيضاً فاسد؟

- «سمعتى النكتة التى تقول «إن مسؤول مصرى كبير ذهب لمقابلة الرئيس الأمريكى الذى قيل له أمريكا بلد ديمقراطية تعطى المواطن ٣ آلاف دولار شهرياً ولا تسأله فيما ينفق ماله، فرد عليه المسؤول المصرى قائلاً: الموظف فى مصر دخله ٤٠٠ جنيه لكنه ينفق ٣٠٠٠ شهرياً فسأله الرئيس الأمريكى، ومن أين يأتى بباقى دخله، فأجابه المسؤول المصرى، نحن بلد ديمقراطى لا نسأل المواطن من أين حصل على ماله».

■ ولكن ما تقوله يؤكد إحصائية مركز دعم واتخاذ القرار والتنمية الإدارية «إن عدد المرتشين من عينة البحث فى الجهاز الحكومى وصل إلى ٦٠٪ من العاملين فى القطاع الحكومى؟

- هذا ما يسمى بالاقتصاد الموازى، فقد ابتدع المواطن المصرى-لفقر الحال وزيادة أسعار وتكاليف كل شىء فى الحياة- مصادر أخرى للدخل بعضها مشروع وبعضها غير مشروع، والدليل.. هل من الممكن أن يصدق أحد أن عدد من لديهم موبايل فى مصر ٤٥ مليون نسمة، فى بلد عدد سكانه ٨٠ مليون نسمة، بل وبلد فقير، وأكثر ما يثير التناقض فى القرى، أن تجديهم يغسلون ملابسهم فى الترعة، وعندهم دش وأبناؤهم لديهم موبايلات، فهذا يعكس تفشى ثقافة التفاهة، فنحن شعب ليس لدينا أولويات.

■ لكن ربما يكون «الدِش» لدى الغلابة والفقراء، محاولة للتخلص من الإحباطات التى تحيط بهم؟

- بالعكس، الدش معناه إحباط مضاعف، لأنه يطلع المواطن البسيط على الرفاهية الشديدة من حوله، فالإعلام مثلاً يعرض أسعار الفيلات بـ٣ ملايين، والشاب لا يجد شقة «إيجار»، وأرى أن الإعلام أصبح أقوى من المدرسة ومن الأبوين، ومع تناقض المؤثرات التى تحدث فى الإعلام وعدم وجود خط واضح، جعل الشاب فى حالة من الحيرة والتناقض، واللامبالاة والقابلية للإيحاء تصبح خطيرة، ويكون عرضة للانتماء لأى مذهب يعرض عليه.

■ إذن الإعلام جزء من معاناة الشعب المصرى النفسية؟

- بل جزء من انتشار الجرائم فى المجتمع.

■ كيف؟

- عندما تنشر أخبار عن الاغتصاب والقتل فى الصفحة الأولى فإن جريمة الاغتصاب تتزايد، وثبت رسمياً أن الكلام عن ظاهرة معينة بصفة مستمرة يزيد من حدة هذه الظاهرة، لأنه يحدث نوعاً من أنواع التحصين للإنسان، فيقبل شيئاً لم يكن يقبله، التليفزيون فى مصر أقوى أجهزة إعلامنا نفوذاً وتأثيراً، وهو مع السينما يساهمان بفاعلية فى توزيع العلل النفسية والتشوهات الاجتماعية على الجميع بالعدل والقسطاس، وأثبت العلماء أن تأثير التليفزيون على عقول ونفسية الأطفال والشباب الناضجين تفوق الأسرة والمدرسة، لذا فإن معظم الدول المتحضرة تتجه بطريقة علمية إلى تقديم مواد من خلال هذا الجهاز الخطير لتنمية الشخصية والعقول والأفكار، والتليفزيون المصرى فى حاجة إلى مسؤولين يدركون هذا الأمر على أن تكون الأهداف أمامهم واضحة، ولا يكون اختيار المواد عشوائياً كما نرى الآن.

■ فعلاً أصبحنا نعيش عالماً دموياً، القتل فى كل مكان، وأخبار ذبح البشر تملأ الصحف، ولكن البعض يرجع الظاهرة إلى العامل الاقتصادى؟

- لا، بل لغياب الهدفين العام والقومى وغياب القدوة يجعل الإنسان غير قادر على التضحية، ومن ثم يكون فردياً، وبما أن الإنسان لا يستطيع العيش فردياً بلا مجموعة، فهو يبحث دائماً عن الهرب، إما إلى الإدمان أو إلى الدين هروباً من الواقع الأليم، وحتى العنف سواء القتل أو الاغتصاب، هو نوع من تحطيم الذات غير المباشر، لأن الإنسان يعلم أن نهايته ستكون الموت أو السجن والانتحار، لا يكون فقط بقتل الذات، ولكن نتيجة لسلوك يؤدى إلى القتل.

■ الشباب يدخنون المخدرات فى العلن على المقاهى وفى الجامعات، كما أصبح إدمان الخمور أمراً طبيعياً، ناهيك عن البودرة والحقن وغيرها، فإلى أين يتجه المجتمع المصرى، وكيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟

- هناك علامات كثيرة تدلك على دخول الابن إلى الإدمان، منها الانطوائية والانعزال بشكل غير طبيعى، الإهمال فى الاهتمام بالنفس، وعدم العناية بالمظهر، الكسل الدائم والتثاؤب المستمر، إضافة إلى شحوب فى الوجه، عرق، رعشة فى الأطراف، الهياج لأقل سبب، فقدان الشهية، الهزال والإمساك، الإهمال فى النواحى الدينية، وعدم الانتظام فى الدراسة أو العمل، اللجوء إلى الكذب والخدع والحيل، من أجل الحصول على مزيد من المال، ولكن علينا أولاً أن نؤكد أن الأسرة هى التى تدفع بالشاب إلى الإدمان،

فمن البيت تبدأ الكارثة، فانشغال الأب والأم بالعمل وأحياناً بالسفر خارج الوطن وازدواجية الأم فى التعامل مع ابنها، فهى تحيطه بالحنان والدلال، وفى الوقت نفسه تتحول إلى الغضب الجارف والمعاملة الغليظة، وهذه الازدواجية تفرز شاباً (مدمناً)، كذلك الأب الذى يحقر من زوجته أمام أولاده أو معايرة الابن بالفشل والتنبؤ له بعدم النجاح تدفعه تجاه الإدمان، وطبعاً أسوأ ما يمكن أن يحدث فى حياة الابن أن يكون الأب مدمناً، إضافة إلى الأسباب المجتمعية، مثل التشكيك فى القيادات والمسؤولين، والتشكيك فى التاريخ والقيادة والقدوة، لأن ذلك يشعر الشباب بالاغتراب واليأس وفقد الأمل والهروب من الواقع.

■ إلى أى مدى تؤثر الصحة النفسية على الصحة العضوية؟

- الصحة النفسية تعطى جودة الحياة، إذا اعتلت الصحة النفسية يضعف جهاز المناعة ويصاحب ذلك أمراض فى الجهاز الهضمى، وبعض أمراض السرطانات والسكر والضغط والقلق والاكتئاب، وأثبت بحث علمى أن ٤٨٪ من الناس يعانون من الضغط العالى يسكنون المدن، و١٩٪ فى الأرياف، والاكتئاب الجسيم أصيب به مليون وثلاثة أرباع المليون، وأرجع الأمر للصحة النفسية ومعدلاتها بين الريف والحضر.

■ هل الإصابة بالسرطان نتيجة للإصابة بالاكتئاب، وما أنواع السرطان التى تسببها الأمراض النفسية؟

- سرطان الثدى والقولون من الأمراض التى تسببها الأمراض النفسية، وعموماً صحة المصريين النفسية والعضوية فى خطر حقيقى.. فلينتبه الجميع!
-----------------------
نشرت في المصري اليوم بتاريخ 28/9/2009
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=227258&IssueID=1542

المتابعون