‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبيل فهمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نبيل فهمي. إظهار كافة الرسائل

السفير نبيل فهمي

سفير مصر السابق فى واشنطن يكشف لـ«المصري اليوم» كواليس علاقات القاهرة وأمريكا (١-٢) نبيل فهمى: رفضت منصب وزير الخارجية فى عهد «مبارك» لأنه كان المطلوب «وزير» يدير انكماش دور مصر الخارجى
--------------------------------------
أجرت الحوار رانيـا بـدوى ٢٠/ ٩/ ٢٠١١
-------------------------------------

كشف السفير نبيل فهمى، سفير مصر السابق فى واشنطن، فى حواره مع «المصرى اليوم»، عن رفضه منصب وزير الخارجية، فى عهد الرئيس السابق محمد حسنى مبارك، مبرراً رفضه بأن الدور المصرى كان فى حالة انكماش. كما كشف أيضاً عن إبلاغه القيادة السياسية بنية أمريكا غزو العراق قبل إقدامها على هذه الخطوة بتسعة أشهر، فكان رد الفعل أن أرسلوا أسامة الباز وبصحبته جمال مبارك وماجد عبدالفتاح لإقناع أمريكا بالتراجع.

ويروى «فهمى» تاريخ وتفاصيل اتصال جماعة الإخوان المسلمين بالإدارة الأمريكية.. وإلى نص الحوار:

■ تم ترشيحك أكثر من مرة لمنصب وزير الخارجية بعد الثورة ومع ذلك تم استبعادك.. ما تعليقك؟

- السياسات أهم من الأشخاص، ووزير الخارجية الحالى، محمد كامل عمرو، صديقى وأتمنى له التوفيق. وسأقدم له كل العون.

■ يقال إن توجهاتك السياسية سبب استبعادك.. هل هذا صحيح؟

- أعبر دائما عن آرائى فى الاجتماعات والمحافل العامة بصراحة كاملة، وهو ما جعل البعض يرشحنى «رسميا، وإعلاميا»، لمناصب وزارية وإقليمية مختلفة قبل وبعد الثورة، وهذا تقدير أعتز به، إلا أننى غير مهتم بتولى مناصب رسمية وأفضل الاحتفاظ بمساحة تسمح لى بالتفكير والحركة، حتى تكون إسهاماتى متجددة ومبنية على تصورات متكاملة وتفكير عميق.

■ أليس حلم أى دبلوماسى الوصول إلى منصب وزير الخارجية؟

- قد يبدو ذلك للبعض، وإنما ما يهمنى هو المساهمة فى بلورة السياسات العامة الصحيحة، وعلى كل منا اختيار الأسلوب الذى يفضل المساهمة به، ولذلك اعتذرت قبل وبعد الثورة عن عدم تولى مناصب وزارية وإقليمية مختلفة.

■ أفهم من ذلك أنه عرض عليك منصب وزير الخارجية قبل الثورة؟

- نعم.. ورفضت.

■ لماذا؟

- سبب رفضى قبل الثورة كان شعورى بأننا مضينا فى طريق الانكماش الخارجى، وأن المهمة المطلوبة هى إدارة هذا الانكماش على المستوى الإقليمى والدولى مع تحسين الصورة بقدر الإمكان، وهو ما يتعارض مع توجهاتى الشخصية، وما أراه فى مصلحة مصر.

■ إذن لماذا بقيت فى منصبك سفيرا؟

- خدمت فى وزارة الخارجية المصرية كدبلوماسى ما يقرب من ٣٥ عاماً، نصفها على الأقل فى مناصب بالغة الحساسية، وكانت هناك اختلافات واتفاقات كثيرة، وسعيت دائماً إلى تسجيل موقفى بصراحة، وعندما شعرت بأن نسبة الاختلافات ارتفعت بدأت الابتعاد تدريجياً، وهو ما جعلنى أرفض تكليفاً من الرئيس السابق بأن أتولى منصب وزير الخارجية بعد أحمد ماهر، ثم تركت العمل بوزارة الخارجية، بعد عودتى من واشنطن حتى قبل بلوغى سن المعاش.

■ هل كنت تعرب عن رفضك للتوجيهات المتعارضة مع قناعتك أثناء عملك سفيرا لمصر فى واشنطن؟

- طبعا. لقد علمنى الوالد تحمل المسؤولية وصيانة الأمانة، وأكد لى مراراً أن أهم سلاح للدبلوماسى، والمشتغل بالعمل العام هو المصداقية، لذا عليه عرض الموقف بأمانة وإبداء الرأى بوضوح، فالمصلحة المصرية لها أولوية بصرف النظر عن أهواء المسؤولين أو إرضاء الأجانب، وأنا التزمت بذلك طوال عملى الدبلوماسى وما بعده.

■ هل رصدت تواطؤاً مصريا، أثناء حكم مبارك، مع أمريكا وإسرائيل ضد القضية الفلسطينية؟

- فى السنوات الأخيرة من النظام السابق انحصر الدور المصرى فى الدعوة إلى اجتماعات غير جدية حول عملية السلام غير الحقيقية، أو فى إطار تصعيد المواجهة مع إيران دون داع.

وكانت هناك أخطاء سياسية استفادت منها إسرائيل، وإن كنت لا أميل إلى استخدام كلمة تواطؤ لأننى لم أشهد مباشرة شيئاً محدداً يعكس نية مبيتة. ومن ضمن الأخطاء عدم اتخاذ موقف قوى تجاه التعنت الإسرائيلى، فمثلاً علمت قبل زيارة الرئيس السابق إلى الولايات المتحدة فى أبريل عام ٢٠٠٤ بأيام قليلة أن الرئيس بوش ينوى تسليم رئيس الوزراء الإسرائيلى شارون خطابات ضمان تؤكد تأييد الولايات المتحدة لاحتفاظ إسرائيل بالتجمعات الاستيطانية الكبرى وبتأييد الولايات المتحدة عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل، فحاولت الاتصال بالرئيس مبارك لأطالبه بإلغاء الزيارة، ثم بلغت هذا الطلب لرئيس الديوان زكريا عزمى، نظراً لوجود الرئيس السابق خارج المقر بالقاهرة، إلا أن الرد جاءنى فى اليوم التالى بأنه لا يمكن الاعتذار عن دعوة لزيارة الرئيس فى مزرعته الخاصة.

■ وماذا كان تخوفك الأساسى من الزيارة؟

- هذه الضمانات كان من شأنها أن تجهض أى عملية تفاوض سلمية فى المستقبل يحكمها مبدأ الأرض مقابل السلام، كما أنها تنحاز لطرف على حساب الطرف الآخر، بالإضافة إلى أنه لم يكن مناسبا أن يأتى رئيس مصر للولايات المتحدة وتعطى هذه الضمانات الخطيرة أثناء الزيارة أو بعدها بقليل، لأن ذلك سيضعنا فى موقف بالغ الحرج مع الأطراف العربية ويسمح للبعض بتصوير الأمر على أننا وافقنا على تلك الضمانات، وبالفعل حدث ما كنت أخشاه.

■ ما شهادتك على غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق؟

- كانت إدارة الرئيس بوش عاقدة عزمها على غزو العراق منذ توليها السلطة، وقيل حين ذاك إن الرئيس بوش الابن كان يريد استكمال ما لم يستكمله أبوه بعد تحرير الكويت، وإن المحافظين الجدد، وعلى رأسهم تشينى ونائب وزير الدفاع، يعملون على تغيير شكل العالم العربى وإضعافه. وأحداث١١ سبتمبر وفرت الفرصة والمبرر ليس أكثر.

وأبلغت المسؤولين بالقاهرة فى يونيو ٢٠٠١، أى قبل الحدث بثلاثة أشهر، بأن الولايات المتحدة عازمة على غزو العراق مع بداية ربيع العام التالى، وكان كلامى محل اهتمام واتصالات متبادلة، ورغم أنهم قالوا لى «إننى أبالغ وأضخم فى تصوير الأمور وإنه لا داعى للتوتر»، إلا أن الرئيس السابق كلف السفير أسامة الباز بصحبة جمال مبارك وماجد عبدالفتاح، سكرتير الرئيس للمعلومات، بالحضور إلى واشنطن لمقابلة المسؤولين أوائل عام ٢٠٠٢ لتحذيرهم من مخاطر غزو العراق.

■ وكيف علمت بقرار خطير كهذا قبلها بكل هذه المدة؟

- لم يبلغنى أحد بالقرار، وإنما استنتجت عزمه على غزو العراق بناء على عدة مؤشرات أبرزها أن عدد القوات الأمريكية فى الخليج كان سيصل إلى ١١٠ آلاف جندى فى نهاية سبتمبر، وهو رقم ضخم ومكلف، أما بالنسبة للتوقيت فلا يمكن أن تحارب الولايات المتحدة صيفاً، نظرا لارتفاع درجات الحرارة، وكان من المنطقى أن تشن الحرب على العراق ما بين يناير ومارس.

■ أثناء فترة وجودك فى واشنطن هل كانت تدور أى أحاديث حول توريث جمال مبارك الحكم بعد والده بدعم أمريكى؟

- تركت منصبى فى سفارة مصر بأمريكا فى سبتمبر ٢٠٠٨، وحتى ذلك التاريخ لم يفاتحنى أى مسؤول أمريكى أو مصرى فى مسألة التوريث إطلاقاً، وإنما مراكز البحث ووسائل الإعلام، وبطبيعة الحال بعض المؤسسات الأمريكية الرسمية كانت تقوم بتحليل الموقف والسيناريوهات.

وبعد صدور أغنية شعبان عبدالرحيم دارت تساؤلات حول احتمالات نجاح وزير الخارجية السابق عمرو موسى فى تولى الرئاسة فى ضوء شعبيته بين عامة الشعب، ثم دارت تساؤلات آخرى حول مدير المخابرات العامة عمر سليمان، حين ذاك عندما تردد أنه سيصبح نائباً للرئيس، ومع تصاعد الدور السياسى لجمال مبارك داخليا طرحت تساؤلات حول سيناريو انتخابه، وإذا كان هذا مقبولاً شعبياً، ومدى قدرته على ضمان السيطرة الأمنية، خاصة أن الاهتمام الأمريكى الرئيسى كان باستقرار الأوضاع فى مصر حفاظاً على مصالحها ومصالح حلفائها، ويجب أن نلاحظ أنه بعد تولى الخمينى السلطة فى إيران وإطاحته بالشاه، عقد الجانب الأمريكى العزم على تجنب المفاجآت.

■ ما سبب زيارات جمال مبارك المتكررة لواشنطن؟

- زيارات جمال مبارك لأمريكا تنوعت بين مرافقة والده والمشاركة فى وفود بصحبة السفير أسامة الباز، المستشار السياسى للرئيس قبل حرب العراق بقليل، أو ضمن وفود من المجتمع المدنى، أو فى إطار زيارات شخصية بدعوة من الرئيس بوش الابن، أو لمتابعة أمور خاصة، ولم تتدخل السفارة فى أى زيارة شخصية عدا مرة واحدة عندما طلب الجانب الأمريكى ترتيب لقاء معه خلال توقفه فى واشنطن.

■ من طلب هذا اللقاء؟ وماذا دار فيه؟

- ستيفن هادلى، مستشار الأمن القومى، وعلى حسب ما أتذكر كان أغلب الحديث حول إعلان الإسكندرية الخاص بالإصلاح والديمقراطية، وكانوا يريدون معرفة خطى الإصلاح، وماذا ينوى الحزب الوطنى أن يفعل فى المرحلة المقبلة.

■ البعض يربط بين زيارة الفريق سامى عنان لأمريكا إبان الثورة وتنحى مبارك.. بخبرتك مع الإدارة الأمريكية كيف تقرأ ما حدث؟

- أعتقد أن هناك مبالغة فى تصوير هذه الأمور والربط بينها، فجرت العادة أن يقوم وزير الدفاع المصرى بزيارة الولايات المتحدة تارة ورئيس الأركان تارة أخرى، ويتم الترتيب لهذه الزيارات بالتفصيل ومبكرا، وأعتقد أن زيارة الفريق سامى عنان للولايات المتحدة فى بداية العام الجارى كانت فى إطار الزيارات التقليدية وليست مرتبطة بالثورة المصرية التى فاجأت الجميع.

أما أثناء الثورة فكان من الطبيعى أن يتصل مسؤولون أمريكيون بنظرائهم المصريين، لأن أكثر شيء يقلق الأمريكان هو نقص المعلومات ومواجهة المفاجآت.

■ ما معلوماتك عن الحوار الأمريكى مع جماعة الإخوان المسلمين؟

- القسم السياسى بالسفارة الأمريكية اتصل بالإخوان المسلمين ومؤيديهم منذ فترة طويلة جداً، وكان يقوم بهذه المهمة فرانك ريكاردونى، الذى كان سكرتير أول بالسفارة فى الثمانينيات، قبل أن يعمل سفيرا أمريكيا فى مصر عام ٢٠٠٤، إلا أن الاتصالات الأمريكية ارتفع مستواها بعد انتخابات ٢٠٠٥ وأصبحت هناك لقاءات فى مناسبات مختلفة مع نواب فى مجلس الشعب من الإخوان المسلمين، ثم أعلنت وزيرة الخارجية هيلارى كلينتون بعد الثورة اعترافها بالإخوان المسلمين. وأنا أعتقد أنه كان من غير المنطقى أن يكون هناك تيار سياسى يسمى «المحظورة» له ممثلون معروفون فى مجلس الشعب، ويتم التعامل معهم مصريا، ثم يتصور أن دولاً عظمى مثل الولايات المتحدة لن تتصل بهم، ومن يتصور ذلك كالنعامة التى تضع رأسها فى الرمال. وعلى العموم لقد تعدينا هذه المرحلة كلية الآن، وأصبح الكل يتعامل مع الإخوان فى مصر وسيتعامل الإخوان مع من يريدون فى الخارج.

■ كيف تقرأ ما تردد عن تدريب الشباب المصرى فى الخارج على القيام بالثورة؟

- ليس لدىّ معلومات محددة لها مصداقية فى هذا الشأن تسمح لى بالجزم بما تم بالتحديد، وليس لدىّ شك فى أن هناك جهات عديدة تعمل فى الساحة، وأن بعضها متآمر، ولكن هناك تناقضاً غريباً فى تناول هذه القضية، فمن الناحية الأمنية رصدت الأجهزة الأمنية قبل الثورة الأنشطة الشبابية بصفة عامة وأغلبها كان علنيا فى شكل منح وندوات مفتوحة للجميع، وكذلك ما كان يدور على موقع «فيس بوك»، فإذا كانت هناك مؤامرة بالفعل فلماذا لم تتحرك الأجهزة الأمنية، وكيف تتفوق عليها مجموعة شبابية تدربت هنا وهناك لأسابيع محدودة، والأعجب من ذلك أن مؤسسات الدولة بعد ٢٥ يناير أعلنت تأييدها للثورة والثوار، والرأى العام التف حولهم، والآن نبدأ بتخوينهم فى تناقض واضح ومعيب.

■ كشفت قبل ذلك عن وجود ضغوط أمريكية على مصر للإفراج عن سعد الدين إبراهيم وأيمن نور أثناء سجنهما فى عهد النظام السابق.. فهل ستدعم أمريكا أيمن نور، وتقف ضد آخرين؟

- ما ذكرته فى الماضى أنه فى إطار الجدل الذى دار بين إدارة الرئيس بوش الابن والحكومة المصرية أثير موضوع الأحكام الصادرة ضد الدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور أيمن نور، مع تركيز خاص على الدكتور إبراهيم، لعل ذلك لأنه صاحب جنسية مزدوجة، ولعلاقته القديمة مع الأكاديميين والنشطاء السياسيين، وفى هذا السياق سعت جماعات ضغط مختلفة داخل وخارج الكونجرس والإدارة لممارسة الضغط على الحكومة المصرية، أما مسألة دعم الولايات المتحدة لمرشح فلا أعتقد أنهم سيقومون بذلك بشكل مباشر خشية ردود الفعل الدولية والمحلية، كما أننى لا أعتقد أن أياً من المرشحين المصريين سيسعى للحصول على دعم أمريكى لأن الفصل هنا سيكون لصندوق الانتخابات ورغبة الرأى العام، وليس تصور بعض القيادات أن شخصا ما مقبول أو مرفوض أمريكيا.

■ كيف ترى العلاقات مع إيران بعد الثورة؟

- من مصلحة مصر وإيران أن تكون لديهما علاقات مباشرة لنعظم ما بيننا من اتفاق وإدارة ما نختلف عليه وحله. لدى مصر تحفظات حول السياسات الإيرانية فى عملية السلام العربية- الإسرائيلية وتجاه دول عربية بالخليج فضلاً عن عدد من القضايا الأمنية والدينية الحساسة بين البلدين، وأعتقد أن على إيران مراجعة مواقفها فمكانتها الإقليمية ستظل محل تشكيك إذا لم تكن لديها علاقات جوار مع العالم العربى وعلى الأخص مع مصر. من ناحية أخرى أشعر أيضا بأن مصر أضرت بنفسها بقصر الحوار الرسمى فيما بيننا على القضايا الأمنية عدا لقاءات سياسية بين الحين والآخر لها تابع شكلى لذا لم تكن مثمرة.

وعلى العموم، لاحظت فى الأسابيع الأخيرة بوادر انفراجة جزئية فى بعض القضايا الأمنية مع إعادة عدد من المطلوبين أمنياً إلى مصر، وأرجو أن نشهد خطوات أخرى وأدعو الآن إلى فتح حوار مصرى إيرانى شامل تطرح فيه جميع القضايا.

■ وماذا عن موقف دول الخليج من عودة العلاقات المصرية الإيرانية؟

- العلاقة المصرية مع دول الخليج علاقة هوية، تتعدى الاعتبارات والمعايير التقليدية فى العلاقات بين الدول، إذن لا مجال للتخوف من أن تنعكس حواراتنا مع إيران سلبا على علاقتنا بالدول الخليجية، بل بالعكس، فاستعادة الاستقرار فى العلاقات المصرية الإيرانية سيخدم ليس فقط الدولتين وإنما كذلك العلاقة العربية الإيرانية بصفة عامة.

■ ولكن هل كانت إيران تمثل خطراً على مصر على نحو يستوجب قطع العلاقات أم أن الأمر كان مجرد إرضاء للخليج وأمريكا؟

- كما ذكرت، تفاقمت المسألة نتيجة أخطاء الجانبين ثم ترددنا فى إجراء حوارات جادة خشية إثارة بعض الدول الصديقة وهذا قصر نظر من جانبنا.

■ وماذا عن أمريكا وإسرائيل؟

- طبعا أمريكا وإسرائيل لن يرحبا بذلك وأنا لا أدعو إلى استعداء أحد ولكن مصلحة مصر فوق أى اعتبار، لذا أدعو إلى إقامة حوار مصرى إيرانى مباشر للاتفاق على القضايا الخلافية تمهيدا لرفع العلاقات بعد انتخاب البرلمان المقبل بصرف النظر عن موقف أمريكا أو إسرائيل فهذا فى مصلحة مصر.

■ هل تعتقد أن مصر مستعدة لتحمل تبعات نتائج بدء هذا الحوار، مثل التهديد بسلاح المعونة وما شابه؟

- لا أعتقد أن أمريكا ستتخذ إجراءات صارمة تجاه مصر لمجرد بدء الحوار، وعلى العموم إذا كنا نرى فى أى خطوة سياسية مصلحة مصرية حقيقية فلا مجال للتردد خشية رد فعل دولة أو أخرى.

■ هل تعتقد أن المجلس العسكرى يخشى اتخاذ خطوات مصيرية مثل إعادة العلاقات مع إيران الآن، مفضلا تركها إلى الرئيس المقبل؟

- المجلس العسكرى مشغول بآلاف القضايا والمشاكل. وليس عيبا أن يعطى ملفات أخرى الأولوية وأن يدرس كل ملف بتأن قبل اتخاذ القرارات أو فى تحديد التوقيتات الملائمة للتحرك. وكل ما أدعو إليه الآن هو بدء الحوار لأن الأوضاع الإقليمية لن تنتظرنا وعلينا الاستثمار فى المستقبل فضلا عن أن القضايا كثيرة وحساسة والحوار لن يكون قصيرا إذا أردنا تحقيق إنجازات حقيقية.


---------------
نبيل فهمى 2-2: أعداء الثورة وراء «الفوضى الخلاقة».. وعملية السلام «مسرحية هزلية»
----------------------------------
حوار رانيا بدوى ٢٥/ ٩/ ٢٠١١
---------------------------------
فى الجزء الثانى من حوار السفير نبيل فهمى، سفير مصر السابق فى واشنطن، يؤكد ضرورة إعلان وقف عملية السلام التى تحولت إلى مجرد عملية «مظهرية»، والتوجه إلى الأمم المتحدة لإعلان الدولة الفلسطينية. وأشار إلى أن نظرية الفوضى الخلاقة قائمة ليس فقط من الخارج إلى الداخل وإنما فيما بيننا أيضاً من خلال أعداء الثورة والتحضر والديمقراطية.

ويرى «فهمى» أن الحكومة المصرية ارتكبت عدداً من الأخطاء فى إدارة أزمة اعتداء إسرائيل على الحدود المصرية وقتل الجنود المصريين، واصفاً التصريحات التى أدلى بها مسؤولو الحكومة بـ«المتضاربة»، والبيان العام بـ«الفاتر الذى لا يحمل أى معلومات أو إجراءات»، فضلا عن عدم الشفافية مع الرأى العام، ويؤكد أنه كان من المفترض قيام الجانب المصرى وبشكل مستقل بتحقيق مبدئى وسريع.. وإلى نص الحوار.

■ ما الفرق بين وزير الخارجية السياسى ووزير الخارجية المنفذ، وهو المفهوم الذى ساد طوال الثلاثين عاما الماضية؟ وماذا لو اختلفت رؤية الوزير عن رؤية الحاكم؟

- لا يوجد شىء اسمه وزير غير سياسى أو منفذ، قبل أو بعد الثورة، إذ يحلف كل وزير يميناً لحماية مصالح البلاد، ويتحمل مسؤولية مشتركة مع أعضاء مجلس الوزراء تجاه الصالح العام، ودوره الأساسى إذا كان وزيرا بحق أن يطرح رؤيته للجهاز الذى يقع فى اختصاصه المباشر وطريقة العمل على تنفيذها، لكن للأسف فإن غياب الديمقراطية فى مصر منذ ما يقرب من ستين عاما جعلنا نفصل مفاهيم لا أساس لها، فنتحدث عن «الوزير التكنوقراط» على أساس أنه لا يتحمل مسؤولية قرارات سياسية مهمة، فى حين أن المقصود بهذه العبارة أن الوزير اختير على أساس خبرته بعيدا عن انتماءاته الحزبية، وهو فى النهاية وزير ومهمته سياسية، فعلى سبيل المثال هل يعقل تصور ألا يكون «وزير الرى» دوراً سياسياً رغم حساسية قضايا المياه؟ والحال نفسه بالنسبة لوزير الزراعة بكل ما يرتبط بهذا القطاع من أمن غذائى؟ من المفيد أن تكون هناك رؤى متعددة بل متعارضة فى الساحة السياسية بين الاشتراكية والرأسمالية، الدينية والمدنية والليبرالية، وتباين الآراء داخل مجلس الوزراء مفيد، مادام هناك توافق حول هوية المجلس ورسالته السياسية، فمن حق وواجب الوزراء حتى فى النظم الرئاسية أن يطرحوا رؤيتهم بوضوح وصراحة، حتى لو اختلفت مع رؤى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وعلى الوزراء أن يتركوا مناصبهم إذا رأوا أن هناك خلافاً حول قضايا جوهرية، ولقد كان والدى إسماعيل فهمى، وزير الخارجية الأسبق، مثالا لذلك حين استقال اعتراضا على زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل.

■ ألمح الدكتور جلال أمين فى أحد مقالاته إلى أن الثورات العربية قد تكون ضمن مخطط الفوضى الخلاقة، فكيف تقرأ المشهد السياسى الحالى فى ضوء هذه الفرضية؟

- ستظل المنطقة مستهدفة نظرا لموقعها الجغرافى ومواردها الطبيعية إلى أن تحصن نفسها بنظام سياسى داخلى يضمن لها الاستقرار ويتسم بالشفافية والمشاركة، وتعتمد على نفسها سياسياً وأمنياً، ما يوفر لها الاستقلالية الكاملة، مثلما خفت حدة ووتيرة المؤامرات فى الدول الصناعية والديمقراطية سواء كانت فى أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا. ونظرية الفوضى الخلاقة قائمة ليس فقط من الخارج إلى الداخل، وإنما فيما بيننا، ويقودها أعداء الثورة والتحضر والديمقراطية.

■ هل يعكس تدخل الناتو فى ليبيا وعدم تدخله فى سوريا خوفا على إسرائيل أم خوفا من إيران؟

- أعتقد أنه خوف على إسرائيل، إضافة إلى أن للغرب مصالح مباشرة فى ليبيا كالبترول وهو غير موجود فى سوريا، كما أنه لا يهمهم ما يحدث داخل سوريا ما دام بعيدا عن هضبة الجولان، فمن مصلحة الغرب استقرار وثبات الأوضاع فى سوريا، خوفا من أن تأتى الثورة بنظام إسلامى أو حتى نظام ديمقراطى يبدأ فى التساؤل: لماذا تركت هضبة الجولان على وضعها الحالى طوال السنوات الماضية؟ ويبدأ فى تغيير الوضع، وهذه احتمالات لا يريدونها، ويدخل فى الحساب أيضا المكسب والتكلفة من التدخل المباشر، ومدى تقبل المجتمع الدولى لهذا التدخل من عدمه، أنا شخصياً أستبعد تدخل الناتو عسكرياً بشكل مباشر فى سوريا، لكن هناك أزمة حقيقية وخطيرة فى سوريا، وقتلى وجرحى بأعداد تتجاوز ما يمكن قبوله، وأرى أن قرار جامعة الدول العربية الأخير يوم ١٣ سبتمبر هو آخر فرصة، وسيكون حكم التاريخ قاسيا على سوريا إذا تم تجاهله، وعلى العالم العربى إذا لم يتم تفعيله.

■ ألا ترى أن هناك ضرورة لإعادة النظر فى العلاقات المصرية - الأمريكية؟

- تحتاج إلى إعادة هيكلة وتأهيل. فهى علاقات ستظل مهمة للدولتين، ولا يمكن لمصر الانتشار إقليميا أو دوليا على المستوى السياسى أو الاقتصادى أو الأمنى أو الاجتماعى دون التفاعل مع الولايات المتحدة، ولن تستطيع الولايات المتحدة حماية مصالحها فى الشرق الأوسط دون إيجاد توازن فى علاقتها مع مصر لثقلها الإقليمى خاصة بعد الثورة. إذن فالمسألة ليست إعادة النظر فى العلاقات المصرية - الأمريكية، وإنما إعادة تقويم العلاقة على أسس سليمة، بعد أن اختلت المعايير والموازين، حيث الساحة الأمريكية تنظر إلى العلاقة المصرية - الأمريكية من خلال مصلحة إسرائيل، وبعد اتفاق السلام المصرى - الإسرائيلى، أصبحت العلاقة المصرية - الأمريكية بثلاثة أضلاع، رغم أن العلاقة الإسرائيلية - الأمريكية ظلت ثنائية لا تأخذ فى الاعتبار المصالح المصرية أو ضرورة تحريك عملية السلام، أقول ذلك وأشدد على أن التقويم المطلوب قد طال انتظاره كثيرا، ويجب إعادة هيكلة العلاقات المصرية - الأمريكية على أسس سليمة تشمل وإنما لا ترتكز على السلام العربى - الإسرائيلى.

■ فور وصول الرئيس الأمريكى باراك أوباما إلى الحكم، وتهليل العرب له، وصفت المشهد قائلا: «وكأنه فرح والعروسة جاية».. الآن وبعد أن ثبت خطأ نظرتنا لأوباما، كيف ترى تعامله مع منطقة الشرق الأوسط وفشله فى إنهاء الصراع العربى - الإسرائيلى كما وعد فى البداية؟

- ذكّرنى الاستقبال العربى لأوباما بالعريس الذى يقابل عروسه يوم الفرح لأول مرة، فالمناسبة سعيدة، لكنه لا يعلم عن شريكته شيئا. كان من حقنا أن نفرح بقدوم أوباما لأن له نظرة عالمية للقضايا، وفهما طيبا لمشاكل الشرق الأوسط، بل قناعة بالحق العربى، لكننى كنت أخشى الفرحة المبالغ فيها، فشخصية أوباما تحكمها المبادئ والواقعية فى آن واحد، يدعو للحق، لكنه لا ينفق من رصيده السياسى سوى على أولوياته، وكنت أعلم جيداً أن أولوياته السياسية للقضايا الداخلية الأمريكية، أما بالنسبة للشؤون الخارجية فيأتى العراق وتأمين الولايات المتحدة، ثم تهدئة العلاقات بينها وبين العالم الإسلامى.. إنه يتعامل مع عملية السلام العربية - الإسرائيلية فى سياق هذه التهدئة.

■ لذا فشل فى تنفيذ وعده بوقف الاستيطان؟

- نعم فشل فى وقف الاستيطان الإسرائيلى فى الأراضى المحتلة، لأنه لم يستثمر رصيده السياسى الضخم فور انتخابه لمحاولة الضغط على إسرائيل بعد أن رفض رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الموقف الأمريكى صراحة. وسمح للأخير بإحراجه أمام العالم. وقد خسرت الولايات المتحدة لأن هيبة الرئيس الأمريكى أصابها شرخ، وخسرت عملية السلام العربية - الإسرائيلية نتيجة عدم تمسك أوباما بموقفه، لأن هذا التراجع شجع نتنياهو على إحراج أوباما بشكل علنى فى البيت الأبيض، وأمام العدسات الإعلامية ثم فى الكونجرس الذى صفق ٢٧ مرة لنتنياهو رغم أنه كان يتعارض مع المواقف الدولية والأمريكية بالنسبة لحدود ١٩٦٧ والقدس.

■ إذن فقد فقدنا جزءاً من أوراق الصراع السياسى مع إسرائيل؟

- أوراق اللعبة لم تكن يوماً ٩٩% فى يد الأمريكان، السياسة والتاريخ يثبتان ذلك، والدور الأمريكى مهم، لكنه مكمل لدور المنطقة، فضلاً عن أنها لم تكن فى يوم من الأيام بمؤسساتها المختلفة على مسافات متساوية من الطرفين، ومن السذاجة تصور ذلك. فإذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على دورها وتطلع أوباما لاستعادة مصداقيته السياسية فمن المطلوب اتخاذ مواقف أكثر قوة وجرأة، وإذا أراد العرب الاستفادة من الدور الأمريكى يجب وضع هذا الدور فى حجمه الصحيح.

■ هل لديك رؤية للتعامل مع الصراع العربى - الإسرائيلى وفق آخر التطورات فى المنطقة؟

- لا أؤمن إلا بالسلام الشامل وإقامة دولتين، لذا يجب أن نصارح أنفسنا والمجتمع الدولى والرأى العام بأن ما يسمى «عملية السلام» مسرحية هزلية ولا تتجاوز تفاوض العرب مع أنفسهم، لعدم وجود شريك إسرائيلى جاد، لذا لا جدوى من المظهرية، فأنا لا أرى جدوى من التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية الحالية لاستحالة اتخاذها مواقف تقترب من الموقف المطلوب عربيا، وخطاب نتنياهو بالكونجرس والتوسع الاستيطانى وهدم المنازل بالقدس الشرقية تثبت ذلك. لذا يجب التركيز مرحليا على «تثبيت الحق الفلسطينى»، وتقنين أسس الحل النهائى، وممارسة الضغط على إسرائيل خارجياً وداخلياً لاحترام الشرعية الدولية من خلال التقدم للأمم المتحدة والمنظمات الدولية وعلى المستوى الثنائى للحصول على الاعتراف الدولى بالدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧ والسلام الشامل وفقا للمبادرة العربية، والإعلان عن استعداد عربى للتفاوض مع إسرائيل إذا التزمت بهذه المبادئ ورفض أى مفاوضات لا تقوم على هذا الأساس، مع القيام بحملة دولية وداخل إسرائيل ذاتها لشرح تكلفة تعثر عملية السلام والعائد الإيجابى للسلام الشامل، ومطالبة المجتمع الدولى باتخاذ مواقف وإجراءات محددة تؤكد عدم تعاملها مع إسرائيل فيما يتعلق بالضفة الغربية بما فى ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة باعتبارها فلسطين المحتلة.

■ هذا من شأنه إعلان وقف أى تعاملات تجارية وأى ميزات تحصل عليها إسرائيل من مصر والدول العربية؟

- أى مزايا استثنائية أعطيت لإسرائيل فى السابق تمت بقرار سياسى ويمكن إعادة النظر فيها، وأنا ضد حصول إسرائيل على أى امتيازات، إذ كان يجب أن تبقى العلاقة فى حدود اتفاقية السلام لا أكثر.

■ هل تعتقد أن اقتحام السفارة الإسرائيلية مؤخرا من شأنه أن يضغط على إسرائيل أم أنك تراه خرقا للقانون الدولى يمكن أن يجلب لنا المشكلات؟

- هناك غضب شعبى كبير لقتل الجنود المصريين على الحدود مع إسرائيل، ومن الطبيعى أن نشهد مظاهرات تعبر عن هذا الغضب فى أماكن مختلفة بما فى ذلك أمام السفارة الإسرائيلية، ولا شك لدىَّ أن الحادث أربك إسرائيل، لكن الخطأ فى اقتحام السفارة ليس فقط أنه مخالف للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية وإنما لأنه يسلط الأضواء على هذا الحادث بالذات بدلاً من التركيز على الجريمة الإسرائيلية وهى قتل الجنود المصريين، وسيفسره البعض على أن هناك انفلاتاً أمنياً فى مصر. مع هذا، وحتى نضع الأمور فى نصابها الصحيح، كانت هناك جريمة إسرائيلية بإطلاق النار عبر الحدود المصرية فى مخالفة صريحة للقانون الدولى والملحق الأمنى فى الاتفاق المصرى - الإسرائيلى.

■ وكيف تقيم طريقة إدارة الأزمة من قبل المسؤولين فى مصر؟

- هناك أخطاء مصرية فى إدارة رد الفعل، تصريحات متضاربة، ثم بيان عام فاتر لا يحمل أى معلومات أو إجراءات، وعدم شفافية مع الرأى العام، وكان من المفترض أن يقوم الجانب المصرى وبشكل مستقل بتحقيق مبدئى وسريع يعلن على أثره بعض البيانات، وعن عزمه مواصلة الاتصال بالجانب الإسرائيلى لإعداد تحقيق مشترك لاستكمال الصورة، حتى يكون الرأى العام المصرى على بينة بما حصل من مصادر مصرية، ويطمئن أن السلطات المصرية تتابع الموقف وستتخذ الإجراءات الملائمة حسب توافر المعلومات، أما أن تكون المصادر الوحيدة هى ما ينشر فى الصحف المصرية نقلاً عن تصريحات مسؤولين إسرائيليين أو صحفهم بوجود اعتذار إسرائيلى ثم نفيه، وبأن الاعتداء تم من خلال طائرات هليكوبتر، ثم سيناريوهات أخرى، وما نشر عن وصول مبعوثين إسرائيليين للتفاوض مع الجانب المصرى ومغادرتهم دون أى تعليق، وبدلاً من استدعاء السفير المصرى فى إسرائيل ولو مؤقتا للتشاور إلى حين انتهاء التحقيق. كان الشىء الملموس الوحيد الذى رآه الرأى العام المصرى هو بناء سور حام للسفارة على كوبرى الجامعة - إزاء كل ذلك ورغم اعتراضى على اقتحام السفارة فإننى لم أندهش من الحادث إطلاقاً لأن الغليان الشعبى هو الذى أدى إليه، وكنت أرى أن البعض قد يستغله للنيل من إنجازات الثورة بالإساءة إلى طبيعتها السلمية، وهذا ما حصل بالضبط.

■ بعد قتل إسرائيل عدداً من الجنود المصريين على الحدود أثار مرشحو الرئاسة المحتملون من جديد قضية إعادة النظر فى معاهدة السلام وأشار بعضهم إلى نيته إلغاءها حال فوزه بالانتخابات الرئاسية، فإلى أى الجانبين تميل؟

- تقوم أغلب دول العالم بشكل دورى بمراجعة سياساتها والتزاماتها الخارجية بما فيها التزاماتها القانونية الدولية أو الثنائية، وإذا لم تفعل مصر ذلك بعد الثورة وبشكل منتظم فستكون قد أخطأت فى حق نفسها، فالهدف الرئيسى والتقليدى من هذه المراجعات هو تقويم فاعلية المعاهدات وتوافقها مع سياسات وأولويات الدولة من خلال دراسة وتقييم عميق هادئ بعيداً عن العواطف والانفعالات، وفى أغلب الأحيان يتم الالتزام بالمعاهدات أو تعديل بعض ملاحقها، أو الإعلان عن عدم تجديد الاتفاقيات عند انتهاء سريانها كما فعلت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتى فى بعض اتفاقيات الحد من التسلح. وسيكون من الطبيعى بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية أياً كانت نتيجتها مراجعة مصر لالتزاماتها الدولية بما فيها اتفاقية السلام المصرى الإسرائيلى، وسبق أن أعلنت مرات عديدة أننى داعم للسلام العربى - الإسرائيلى الشامل، بما فى ذلك السلام المصرى - الإسرائيلى، وإن كنت أرى أن توقيعنا على هذا الاتفاق خارج إطار السلام الشامل لم يكن ملائماً، ولدىًَّ تحفظات محددة على بعض جوانب الملحق الأمنى، لأن منظوره الأساسى هو توفير الأمن لإسرائيل بحجة ضآلة حجمها مقابل حجم مصر، ما يجعل العديد من التحركات المصرية فى المنطقتين (ب) و(ج) مقيدة أو محكومة بموافقات استثنائية من قبل إسرائيل، وهو أمر يجب مراجعته وتعديله، وأشهد للقوات المسلحة المصرية بأنها تقوم بدور وطنى نبيل بكفاءة عالية فى ظروف صعبة، ورغم كل ذلك أرى أن تتم أىّ مراجعة بهدوء بغية التقويم والتفعيل والبناء إن أمكن للوصول إلى السلام الشامل، وهذا يتطلب تغييرا جوهريا فى السلوك الإسرائيلى، سواء فى تعاملاتها على الحدود المصرية، أو فى توجّهها نحو التفاوض مع الجانب الفلسطينى، فالسلام المستهدف والأمن والأمان الذى نتطلع إليه ليس لإسرائيل فقط، وإنما لشعوب المنطقة جميعاً دون تفرقة أو تمييز.

■ من الانكماش فى مرحلة مبارك إلى الارتباك فى المرحلة الحالية.. لم تظهر أى ملامح واضحة لما ستكون عليه علاقاتنا الخارجية حتى الآن، ما تعليقك؟

- من المفترض أن تركز السياسة الخارجية المصرية خلال الأشهر القادمة وحتى إجراء الانتخابات على وضع الأرضية المناسبة لانطلاقة جديدة ومتطورة بعدها، باعتبارها مرحلة سياسية جديدة ومتكاملة، وأقترح قيام وزارة الخارجية الآن بمراجعة علاقات مصر مع مختلف دول العالم واتفاقياتنا الخارجية لتحديد أوجه القصور والتمييز فيها، والسعى لتصحيح العلاقة بين مصر ودول حوض النيل بحيث تكون علاقة احترام ومصلحة مشتركة، مع تواصل مواقف مصر التقليدية خاصة بالنسبة لدعم القضية الفلسطينية، وكذلك تقويم هيكل وآليات العمل داخل وزارة الخارجية المصرية لرفع كفاءتها حتى يعود الانتماء المؤسسى للعاملين بهذه الوزارة العريقة التى تتحمل مسؤولية وطنية وقومية بالغة الأهمية، ومن المهم إعداد دراسة شاملة عن التحديات والأولويات المصرية فى السياسة الخارجية من ٢٠١٢ إلى ٢٠٢٢ لتكون أمام النخبة السياسية المصرية والمرشحين للرئاسة والرأى العام عند تقييم مواقف المرشحين. وبعد انتخاب رئيس الجمهورية الجديد يجب أن نشهد رؤية متكاملة، وتغيراً حقيقياً فى السياسة الخارجية المصرية فى الفكر والمنهجية والممارسة، بما يعكس الأهداف والمبادئ التى كانت دافعاً لثورة ٢٥ يناير، وعلى رأسها المساواة والمشاركة والعدل الاجتماعى كدولة رائدة إقليمية، مع طرح مبادرة سلمية للتحضر الفكرى والمجتمعى فى العالمين العربى والأفريقى، سعياً لاستقرار المناطق المجاورة لنا، وإبراز الأسس القانونية فى العلاقات الدولية، وإعطائها وضعية حاكمة فى سياستنا الخارجية، ولعلها مناسبة جيدة لإصدار وثيقتين لشرح فلسفتنا الخارجية ومفهومنا المحدد للأمن القومى المصرى ما بعد الثورة، ويجب أن نكون أكثر وضوحاً فى أولوياتنا وأهدافنا على المدى القصير والطويل، مع تركيز خاص على إدارة علاقتنا مع دول الجوار والهوية المشتركة، أو التى تربطنا بها مصالح مباشرة، مثل العالم العربى ودول حوض النيل، فضلاً عن علاقتنا بالدول الرائدة دولياً. فلقد كانت الثورة المصرية صحوة مجتمعية داخلية ودعوة شعبية للمصارحة والمكاشفة للاستفادة من تجارب الماضى وتجنب تكرار أخطائه، ويجب أن تمر السياسة الخارجية بصحوتها الذاتية ومراجعتها لمواقفها للبناء على إنجازاتها وتصحيح أخطائها واستعادة ريادتها على المستويين الإقليمى والدولى.

■ إذا وصل التيار الدينى إلى الحكم فى مصر، هل ترى أن ذلك سيؤثر على السياسة الخارجية، وهل سيسمح الغرب بوصولهم إلى الحكم؟

- سيؤثر أى تيار يأتى إلى الحكم فى مصر، سواء كان دينياً أو ليبرالياً، على السياسة الخارجية مثلها مثل السياسة الداخلية لكن بمعدلات أبطأ، لتركيزنا فى المقام الأول على الوضع الداخلى، والاختلاف الرئيسى الذى أتوقعه فى السياسة الخارجية بين تيار دينى وتيار مدنى ليبرالى هو فى مدى إدخال المنهجية والخطاب الدينى فى سياستنا الخارجية وعلاقتنا مع الدول أو الجماعات التى تتبنى منظورا دينيا فى تكوينها السياسى. وأتوقع أن يتم تحسين الأوضاع على الحدود مع غزة، واتخاذ مواقف أقوى تجاه الجرائم الإسرائيلية على الحدود المصرية أو فى القدس الشرقية والتوسع الاستيطانى لاتفاقية السلام وتعديل الملحق الأمنى، وتنشيط العلاقات مع السودان وحوض النيل، وفتح الحوار مع إيران تدريجيا، أما استفسارك عن مدى قبول الغرب لحصول تيار دينى على الأغلبية فمرجعه رد الفعل الغربى فور فوز حماس بأغلبية فى الانتخابات الفلسطينية، ومن قبلها فوز حزب دينى فى الانتخابات التركية، فكلاهما لم يكن مريحاً للعالم الغربى أو لغيرهم، وحدث تصادم مع حماس وبعض التوترات المرحلية مع تركيا، وهو ما أتصوره بالنسبة لمصر فهى دولة أكبر من أن يتم تجاهلها رغم أن البعض سيحاول الضغط علينا، وهو ما شاهدناه من الكونجرس الأمريكى منذ الآن، وعلى المصريين تحديد خياراتهم وتحمل مسؤولية قراراتهم دون السماح لطرف أجنبى بالتأثير على رؤيتنا.

■ أفهم من ذلك أنك ضد وصول التيار الدينى للحكم؟

- للجميع حق المشاركة فى الانتخابات، وللناخب حق الاختيار، وشعارى هو «مصرية مصرية» وتطلعى أن تكون مصر دولة مدنية تجمع بين فئات الشعب المختلفة، إسلامية وقبطية أو غير ذلك، فى إطار من المواطنة المتساوية للجميع فى الحقوق، وسأتقبل نتيجة الانتخابات القادمة مادامت اتسمت بالشفافية والنزاهة، وهذه هى أصول الممارسة الديمقراطية، وأى تحفظات لدىّ سأسعى إلى إثارتها بالطرق السياسية السلمية. مع هذا، أريد أن أسجل قلقى الشديد من حالة الاستقطاب التى يشهدها الشارع السياسى المصرى حالياً، ورفضى محاولات التكفير أو التشكيك فى وطنية الآخر كأداة للترويع، وأطالب القائمين على إدارة حكم البلاد بتكثيف شرحهم العلنى والشفاف للخطوات القادمة ورؤيتهم لها، فالشفافية والحوار يشكلان أساس أى نظام سياسى وسطى، حتى فى مرحلة تكوينه.


----------------
نشر في المصري اليوم بتاريخ 20و25-9-2011

نبيل فهمي




الكونجرس قال لنا إذا لم تتغاضوا عن قضية سعد الدين إبراهيم فلن نرفع لكم المعونات.. ونفذ تهديده
---------------------------------------------
حوار رانيا بدوى- المصري اليوم -١١/ ٨/ ٢٠١٠
---------------------------------------------

ظل المناخ العام فى أمريكا والعالم أثناء رئاسة الرئيس جورج بوش الابن للولايات المتحدة الأمريكية، مناخ حرب وتوتر بدعوى مواجهة الإرهاب، وتحت هذا الغطاء دخلت أمريكا العراق، ودمرت أفغانستان وفَشّلت عملية السلام فى فلسطين،

ووضع اسم الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات من قبل كل من «شارون» و«بوش» على قائمة الإرهابيين، وظهرت التهديدات بخفض المعونات الأمريكية لمصر، وزادت الدعوات للإصلاح الديمقراطى وحقوق الإنسان.

٨ سنوات شهدت أحداثا كثيرة ساخنة ومؤثرة حتى إن التاريخ أخذ يؤرخ لمنطقة الشرق الأوسط قبل ولاية «بوش» وبعدها وقبل أحداث ١١ سبتمر وبعدها، وبدأت جملة الضغوط الأمريكية على مصر تتردد كثيرا بين المثقفين وفى الشارع المصرى، البعض يقول إن أمريكا تختار وزراء مصر، وبعضهم ذهب إلى أن أيمن نور، خرج من السجن بضغط أمريكى، وأكد آخرون أننا ننحنى أمام إسرائيل لكسب الرضا الأمريكى، وغير ذلك الكثير فالحديث المرسل كثير والمدقق قليل، والمنسوب إلى شهود عيان يكاد يكون غير موجود،

لذا كان السؤال للسفير نبيل فهمى، الذى مثل مصر٩ سنوات فى واشنطن وكان شاهدا على مرحلة فاصلة، ليس فى تاريخ مصر فقط وإنما فى تاريخ العرب ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، لنقدم فى هذ الحوار دلائل واضحة، تكمن فى شهادة رجل عاصر المرحلة وكان أحد صناع القرار، بل وأول من كان يتلقى الضغوط الأمريكية ليبلغها إلى القاهرة، ليحكى لنا عن تفاصيل هذه الضغوط وأسبابها ونوعيتها ومدى استجاباتنا لها.

■ «الضغوط الأمريكية على مصر».. جملة نسمعها كثيرا ونقرأها فى الصحف يوميا.. نسمع عن معاداة مصر لإيران تنفيذا لرغبات أمريكا ومهادنة إسرائيل تلبية لطلبات الكونجرس.. فهل تحكم مصر بقرارات أمريكية؟

- كل ما يقال عن الضغوط الأمريكية صحيح، لكننى أعترض على جملة «مصر تحكم بقرارات أمريكية»، لنقل إنهم يحاولون بكل الطرق التأثير فى القرار المصرى، لكن الأهم هو هل نلبى هذه الطلبات ونمتثل لهذه الضغوط أم لا؟

■ فلتجب إذن.. هل نمتثل لهذه الضغوط؟

- مصر تنفذ أى مطلب أمريكى يتناسب مع مصالحها، ولا تنفذ أى مطلب لا يتناسب مع هذه المصالح.

■ يقال إن هناك وزراء تم تعيينهم بالاسم باقتراح أمريكى؟

- لم أسمع عن ذلك، فلست من يعين الوزراء، وليست حتى مشاركاً فى العملية.

■ إذن كيف يحاولون التأثير على القرار المصرى؟

- يتصلون بنا مرارا وتكرارا ويقولون نريد منكم عدم التعامل مع فلان، أو معاداة الدولة الفلانية لأننا على علاقة سيئة بها ولا نريد منكم دعم الدولة الفلانية فى الانتخابات الدولية، وأشياء من هذا القبيل، وقد تعرضت كثيرا أثناء وجودى فى واشنطن لمثل هذه الأمور.

■ هل من أمثلة على ذلك؟

- طلب منا بشكل واضح عدم دعم سوريا أو إعطائها صوتنا أثناء ترشحها لمجلس إدارة مجلس محافظى الطاقة الذرية، بل وطلب منا التخلى عنها وعدم تأييدها فرفضنا، وقلنا إننا لن نقف ضد مرشح عربى، لن يحدث هذا، مع العلم أن علاقتنا بسوريا لم تكن جيدة آنذاك.

■ لكن هل رشحنا سوريا ودعمناها بالفعل؟

- سوريا انسحبت من تلقاء نفسها من الانتخابات بعد ذلك.

■ ماذا عن علاقتنا بإيران؟

- اتصل بى عدد من المسؤولين الأمريكيين، وسألونى باستنكار: لماذا أتى على لاريجانى إلى مصر ولماذا قابله الرئيس مبارك؟ فقلت لهم إنه أتى للمشاركة فى مؤتمر ثم طلب مقابلة الرئيس الذى رأى مصلحة فى ذلك فقابله. وفى موقف آخر قالوا لنا: نريد توقيعكم على قرار تحويل الملف النووى الإيرانى إلى مجلس الأمن، فقلنا لهم: لا شك أن الموقف الإيرانى معيب، لكننا لا نستطيع التوقيع على هذا القرار، فالرأى العام سيحاسبنا: فكيف لنا أن نقف ضد إيران، لأنها مخالفة لبنود اتفاقية منع انتشار السلاح النووى،

فى حين نترك إسرائيل الممتنعة عن الانضمام إلى الاتفاقية من الأساس، ورفضنا بالفعل التوقيع، وطلبنا أولا أن يوضع بند ينص على أن «كل ذلك خطوة فى إطار إنشاء منطقة خالية من السلاح النووى فى الشرق الأوسط»، وكان ذلك مدار حديث بينى وبين وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس.

■ ماذا كان رد فعلها؟

- قالت لى: يعنى إيه.. انت بتربط توقيع مصر مقابل وضع هذا البند؟! فقلت: نعم، وأوضحت لها أننا نريد الحل، وهذه هى الطريقة الوحيدة للعلاج، بوضع معايير موحدة للجميع، وكانت هذه هى المرة الأولى التى يتخذ فيها مجلس محافظى وكالة الطاقة الذرية، قرارا بتحويل الملف النووى الإيرانى من وكالة الطاقة الذرية إلى مجلس الأمن، وبالفعل امتثلوا لطلبنا ووضعوا هذا البند فى القرار.

■ هل توقيع مصر على هذا القرار كان أحد أسباب العداء بين مصر وإيران؟

- لا يوجد عداء بين مصر وإيران، لكن لا شك أن هناك توترات ترتفع أحيانا وتخفت أحيانا أخرى.

■ ما سبب هذه التوترات؟

- ترتبط أساسا بمشكلات أمنية وملفات مفتوحة بيننا وبين إيران، تخص جماعات متطرفة فى إيران، ومادامت المشكلات ترتبط بمسائل أمنية، هنا يكون لنا نظرة مختلفة، والسبب الآخر يكمن فى الموقف الإيرانى السلبى من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، حيث تشجع إيران الجماعات التى لا تريد التوصل إلى حل سلمى، إضافة إلى رغبتها فى مد نفوذها إلى دول الخليج والمساس بالحيازة الجغرافية لدول الخليج العربى، وأقصد جزر الإمارات من ناحية، وتهديد البحرين من ناحية أخرى، ومع ذلك لا أرى أنه من المستحيل الوصول إلى توافق مصرى إيرانى.

■ لماذا إذن لا نصل إلى هذا التوافق؟

- هناك محاولات للحل من جانبنا ومن الجانب الإيرانى، لكن بكل صراحة، كنا نجد دائما المحاولات الإيرانية تقف على السطح أكثر من الوصول إلى الواقع الحقيقى للمشكلات، نتيجة وجود تيارات داخل إيران تحول دون الإجماع على الخطوات الأولى التى يتم طرحها. وقد أوضحنا مرارا أننا لا نعادى إيران، ولايوجد بيننا خلاف، طالما التزمت بأسس التنافس الشرعى وعدم المساس بأمن الطرف الآخر.

■ لكن.. هناك مسؤولون إيرانيون أتوا إلى مصر وطلبوا مقابلة الرئيس، وأبرزهم لاريجانى، بينما لم نر مسؤولا مصريا واحدا يزور إيران؟

- أولا أغلب المسؤولين الإيرانيين الذى أتوا إلى مصر جاءوا لحضور مؤتمرات دولية، وأثناء ذلك طلبوا مقابلة الرئيس، وتحدث معهم بإيجابية وصراحة، لكننا لم نجد من الجانب الإيرانى أى متابعة لهذه الاتصالات وتنفيذ ما يتم الوعد به.

■ عودة إلى المواقف التى مارست فيها الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطا على مصر.. إلى أى مدى وصلت؟

- طلبت منا الولايات المتحدة الأمريكية ذات مرة عدم استقبال الرئيس الفلسطينى الراحل عرفات أو دعمه، عندما اتخذوا قرار المقاطعة ضده، وحبسه «شارون» فى مقر السلطة الفلسطينية، ورفضنا ذلك، وأعلنا امتعاضنا.

■ ماذا عن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق وموقفنا من هذا الاحتلال؟

- أطلعونا على قرار دخول العراق قبل القيام بالاحتلال، وأرسلنا إليهم الرد بالرفض، وعدم موافقتنا على هذه الخطوة، ولامت أمريكا مصر كثيرا على رفضها قرار دخول العراق، وقالوا لى كيف للرئيس مبارك وهو صديق وحليف للولايات المتحدة الأمريكية أن يقول إن دخول العراق سيخلق مائة صدام حسين ومائة أسامة بن لادن، وقلت لهم، لقد قال هذا لأنه صديق مخلص لأمريكا، ويرى أن دخولكم العراق سيخلق العديد من المشاكل.

■ هل ساعدت مصر أمريكا فى دخول العراق.. لوجستيا على الأقل؟

- إطلاقا.. لكن هناك دولاً عربية ساعدت أمريكا فى دخول العراق بكل تأكيد.

■ من هى تلك الدول؟

- عدد من الدول العربية منها قطر والكويت.

■ أحاديث وأقاويل كثيرة صاحبت آخر زيارة للرئيس بوش الابن لمصر، وعدم حضور الرئيس مبارك كلمته، فما شهادتك على هذه اللحظة، وما سبب ترك الرئيس مبارك للقاعة آنذاك؟

- جاء الرئيس الأمريكى السابق، بوش الابن إلى مصر بعد زيارة إلى إسرائيل، وقبل أن تقله الطائرة إلى مصر فوجئت باتصال من نائب مستشار الأمن القومى الأمريكى يقول لى: لدينا تعليمات بأن نطلعك على نص الخطاب الذى سيلقيه الرئيس بوش فى شرم الشيخ، وبدأ النص بمدح مصر، ووردت به بعض الجمل التى تحمل مجاملات، فقلت له: طبعا أنت لم تطلبنى لتقول لى أنكم ستمتدحوننا، فلتبدأ بالحديث الذى لن يعجبنا، وفوجئت بأن صياغة الخطاب قاسية للغاية، وفيها هجوم شديد على مصر،

فقلت له إذا كنتم تنوون إلقاء هذا الخطاب فى شرم الشيخ، فالأفضل ألا تذهبوا إلى هناك، وهذا رأيى الشخصى، فقال لى اهدأ، وما الذى لا يعجبك فى الخطاب؟ المهم أنه وبعد نقاشات طويلة تم تعديل الخطاب أكثر من مرة، حتى اللحظة التى استقلوا فيها الطائرة كان الخطاب يعدل، وخفف إلى حد كبير، ورغم أن الصيغة النهائية التى ألقاها «بوش» كانت أيضا غير مريحة إلا إنها أفضل كثيرا من أصل الخطاب الذى أعد فى البداية.

■ إذن الرئيس مبارك كان يعلم بخطاب الرئيس بوش قبل إلقائه؟

- نعم.

■ ماذا كان رد الفعل؟

- القاهرة أيدتنى فى تصرفى تماما.

■ لماذا لم يُتخذ قرار أعنف من قبل القاهرة يعكس موقفها؟

- لكل فعل رد فعل، ثم إن القاهرة رأت أننى قمت بمسؤوليتى، وتحملتها على أفضل وجه، وجنبت العلاقات المصرية الأمريكية صداما كان يمكن أن يؤدى إلى خلافات، فكان من الممكن أن أرسل الخطاب بصيغته الأولى إلى القاهرة، ووقتها سيأتينى الرد أعنف فتتوتر العلاقات، ولكن بما بذلته من مجهود لتخفيف الخطاب جنبت القاهرة الحاجة إلى الصدام، وربما اكتفى الرئيس بعدم التواجد أثناء خطاب الرئيس الأمريكى، وكان هذا تصرفا سليما ١٠٠ %، ولا تنس أن المؤتمر كان يحضره عدد من رؤساء الدول الأخرى، وليس فقط الرئيس بوش.

■ ننتقل إلى الضغوط الأمريكية فى المجال الاقتصادى.. ما مدى تأثيرها؟

- لا شك أن هناك عدداً من الضغوط الاقتصادية مورست على مصر، وأذكر أنه فى مرحلة من المراحل قال لنا الأمريكان إننا لن نتفاوض معكم على اتفاقية التجارة الحرة إلا إذا طبقتم عدداً من الإصلاحات السياسية والديمقراطية، فقلنا لهم إذن لا نريد التفاوض على الاتفاقية.

■ ما أسرار التهديد بقطع المعونات أو تخفيضها التى ظلت مسيطرة على الأحداث فى ظل إدارة الرئيس بوش الابن؟

- يوجد اتفاق سابق مع الرئيس «كلينتون» على تخفيض المساعدات التى تحصل عليها مصر، وكانت قيمتها ٨١٥ مليون دولار آنذاك، ٤٠ مليون دولار كل سنة على ١٠ سنوات، وعندما تركت سفارة مصر فى واشنطن كان المبلغ قد وصل إلى ٤٠٥ ملايين دولار تقريبا، لكنه تخفيض متفق عليه وليس نتيجة ضغوط، لكن فعلا أكثر من مرة هددوا مصر بعدم الحصول على المعونات وربطوها بشروط معينة منها المبلغ الأخير من المعونات، وصدر قرار بهذا الشأن بالفعل من الكونجرس الأمريكى لكنه لم يطبق.

■ ما هى هذه الشروط؟

- الإصلاح القضائى، إصلاح جهاز الشرطة، والأنفاق بيننا وبين غزة.

■ أتفهم مسألة أنفاق غزة، للحفاظ على الأمن الإسرائيلى، ولكن بماذا سيفيدهم الإصلاح القضائى أو إصلاح جهاز الشرطة؟

- كلها أدوات وأفكار المحافظين الجدد فى الضغط، الذين كانوا يريدون خلق أى ذرائع لتفكيك الوطن العربى، ونلاحظ أنهم ظلوا ينادون بالديمقراطية، وفور أن أتت حماس إلى الحكم فى فلسطين توقفوا عن المناداة بها، وبدأوا يبحثون عن ذرائع أخرى؛ مثل إصلاح جهاز الشرطة أو القضاء أو حقوق الانسان، فهو كلام حق يراد به باطل، وأنا بالطبع مع حقوق الإنسان لكن بإصلاح مصرى وليس بضغط أمريكى، وأعتقد أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تستخدم مسألة المساعدات كورقة ضغط على مصر كما كانت تفعل الإدارة السابقة.

ويجب أن نعلم أن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية مهمة ومؤثرة بالنسبة لنا، لأن أمريكا القوة العالمية الأكبر وموجودة فى كل مكان فى العالم وفى كل الملفات، لذا نهتم بها وهى أيضا تهتم بنا ليس لأننا قوة عالمية وإنما لما لنا من نفوذ وتأثير فى المنطقة وفى العالم النامى المحيط بنا.. لذا يحاولون دائما ممارسة الضغوط، وطالما أنهم يمارسون ضغوطا فى إطار ما هو مقبول، فلا مانع، ولكن إذا كانت الضغوط تضر بمصالحنا أو تحدث بلى الذراع نرفضها بشدة.

■ حتى الضغوط التى تمارس فى إطار العلاقة بيننا وبين إسرائيل؟

- لعلاقة مع إسرائيل تؤثر فى الكونجرس الأمريكى أكثر من الإدارة الأمريكية، وكلا الطرفين فى النهاية مهم بالنسبة لنا.

■ هل التزامنا الكامل باتفاقية السلام مع إسرائيل يأتى من باب مغازلة الكونجرس المسؤول عن اعتماد المساعدات لمصر رغم عدم التزام إسرائيل بها؟

- بالفعل نحن ملتزمون حرفيا بمعاهدة السلام فى حين أن إسرائيل تخل بها، ولكننا لا نلتزم بها بفعل ضغط أمريكى، إنما لأنها تحقق هدفاً مصرياً، فنحن لا نريد دخول حرب، ونسعى دائما لحل الأزمات بالدبلوماسية.

■ قلت إننا رفضنا ربط المساعدات بالإصلاح السياسى والديمقراطى.. هل يعنى ذلك أن المساعدات خفضت نتيجة لهذا الرفض؟

- الكونجرس هو الجهة التى كانت متشددة فى هذا الأمر، وأمام الرفض المصرى أدرجوا فى القرار أنه يجوز لوزير الخارجية استثناء هذا البند إذا ما رأى مصلحة فى ذلك، وبالفعل صدر القرار بالتخفيض واستخدمت كونداليزا رايس صلاحياتها ولم يتم تخفيض مليم واحد من المساعدات منذ وجودى فى واشنطن حتى انتهاء مدة خدمتى هناك.

■ ما هى حقيقة تخفيض المعونات بسبب قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم؟

- الحقيقة أن الجانب الأمريكى اقترح إضافة ٢٠٠ مليون دولار إلى المساعدات التى تدفع إلى مصر، لأن الجانب الإسرائيلى طلب زيادة فى المساعدات، فرأت الولايات المتحدة الأمريكية عمل توازن بين ما يعطى لمصر وما يعطى لإسرائيل - طبعا توازن نسبى- فقرروا إعطاءنا هذه الزيادة، وبعد أن ظهر موضوع «سعد الدين» فى الأفق هددوا بعدم إعطائنا هذا المبلغ، وقالوا لنا صراحة مطلوب أن تتغاضوا عن موضوع سعد الدين إبراهيم وإلا لن نعطيكم الـ٢٠٠ مليون دولار فرفضنا، وقلنا لهم لن نتدخل فى شأن قضائى، ورفضنا الأمر برمته.

■ هل نفذوا تهديدهم؟

- نعم ولم يعطونا بالفعل الـ٢٠٠ مليون دولار، ولكن الأمر لم يشغلنا، لأننا لم نطلب المبلغ من الأساس، بل كان اقتراحا منهم.

■ ماذا عن قضية أيمن نور؟

- قضية أيمن نور أثيرت كثيرا فى الكونجرس الأمريكى أكثر من الإدارة الأمريكية، ولم يكن موقفنا منها مختلفا عن موقفنا من قضية سعد الدين إبراهيم، وقلنا لهم إن الأحكام القضائية ليست رهن المواقف السياسية للدول الأجنبية، ولكن لا يوجد إجراء محدد اتخذ ضد مصر بسبب أيمن نور، رغم حديث الكونجرس دائما عن القضية وتهديداته.

■ هل الاهتمام هنا كان بالأشخاص أنفسهم؟

- لا فالاهتمام كان بالحدث وليس الشخص، ولمزيد من التوضيح، هناك عدد من التيارات الأمريكية وليس تيارا واحدا اهتم بالحدث، أحد هذه التيارات هو تيار مهتم بحقوق الإنسان والديمقراطية، وتيار مخلص فى هذا الأمر، وكثيرا ما يثير مشكلات داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وبمجرد السماع عن حدث ما دون معرفة التفاصيل يطالب بالتزام الدول بمعايير حقوق الإنسان،

وهناك تيار آخر يريد انتهاز أى فرصة وأى حادث للإساءة إلى العلاقات المصرية الأمريكية والعربية الأمريكية، وتيار ثالث مقتنع بأنه بعد أحداث سبتمبر من الواجب استغلال كل الفرص لمحاولة تفتيت العالم العربى والمساس بهويته حتى لا يجتمع العرب حتى على أساس الهوية.

■ أين كان التيار الصادق المخلص الذى تتحدث عنه بعد أن أتت الانتخابات الديمقراطية بـ«حماس» فى فلسطين تحت إشراف أمريكى ولماذا كف عن المطالبة بالديمقراطية بعدها؟

- لديك حق، لكن كما قلت هذا التيار ليس الوحيد ولا التيار الحاكم، لكن عموما كل التيارات حدثت لها حالة صدمة بعد الانتخابات الفلسطينية، فسكت الجميع عن الحديث حول الانتخابات الديمقراطية، خوفا من أن تأتى بتيارات معادية للولايات المتحدة الأمريكية.

■ لماذا حصلت على إجازة من وزارة الخارجية بعد انتهاء مدتك فى واشنطن.. ولماذا لم تستمر فى العمل فى «ديوان الخارجية»؟

- أديت مهمتى فى واشنطن على أكمل وجه، وأنا راضٍ تماما عن تجربتى الدبلوماسية، وكل ما فعلته فى هذه الفترة، وأعتقد أن ٩ سنوات فى منصب واحد مدة كافية جدا، وليس لى طموح أكثر من ذلك، فواشنطن مكان رفيع المستوى يتمناه كل من يلتحق بالسلك الدبلوماسى، وأنا لا يعنينى أن آتى إلى القاهرة بعد ذلك لأحصل على منصب، فأنا لا أفكر بشكل تقليدى، والإجازة مريحة بالنسبة لى.

■ أمر من اثنين إما أن أداءك كان مغضوبا عليه، أو جيداً لدرجة أثارت لدى البعض الغيرة المهنية والخوف منك؟

- أدائى لم يكن مغضوبا عليه بل لاقى استحسان جميع رؤسائى، وعندما أنهيت مدتى ذهبت إلى أحمد أبو الغيط، الذى استقبلنى وشكرنى، وأنا الذى فاتحته فى قرارى الحصول على إجازة، وأن أخدم البلد بطريقة مختلفة، وأوضحت أننى مستعد لأى مشورة أو مساعدة.

■ أشيع أنك وزير الخارجية القادم بعد أحمد أبوالغيط؟

- ابتسم قائلا: لن يحدث تغيير وزارى قريبا.

-------

سفيرنا السابق فى واشنطن يواصل حواره لـ«المصرى اليوم» (٢ -٢)
نبيل فهمى: العرب لن يحاربوا إسرائيل دون مصر.. ومصر لن تحارب
--------------------------------------------------
حوار رانيا بدوى ١٢/ ٨/ ٢٠١٠
----------------------------------------------------
المياه، الغذاء، الطاقة، ودول الجوار، هذه هى قائمة الأولويات المصرية من وجهة نظر السفير نبيل فهمى التى يجب على أساسها التخطيط للعلاقات مع الآخرين وإعادة النظر فى العلاقات الدولية بين مصر والعالم الخارجى، فيما يخص تلبية هذه الاحتياجات، مع ضرورة وضع سيناريو للفشل وآخر للنجاح فيما يخص النزاعات الإقليمية المؤثرة على مصر، حتى لا نفاجأ بالنتائج، هذا ما قاله نبيل فهمى عندما سألته: ماذا لو عين وزيرا للخارجية؟

لكن أكثر ما لفت انتباهى أثناء تفسير السفير نبيل فهمى لكل نقطة من هذه النقاط، ما قاله عن السودان كإحدى دول الجوار، كنا نختار فى مرحلة من المراحل سفيرنا فى السودان على درجة وزير، وحدث ذات مرة أن أرسلنا وكيلا لوزارة الخارجية، فأرسل لنا السودانيون يتساءلون عن الأمر، فقلنا لهم: «إن هذا السفير ربما يكون وكيلا للوزارة وليس وزيرا، لكنه رقم اثنين فى وزارة الخارجية، إضافة إلى أنه كان أحد ضباط الثورة ورجل له مكانته»

واستطرد نبيل فهمى: هذا كان يحدث، والسودان لم تكن أهم أو أغنى دولة فى العالم، لكنها كانت على رأس الأولويات المصرية.

فى الحلقة الثانية من الحوار يتحدث نبيل فهمى عن أزمة حوض النيل، ويشرح كيف يسير أوباما على نفس نهج بوش فيما يخص عملية السلام، كما أنه ولأول مرة يتحدث فى الشأن الداخلى المصرى، وبدأنا الحوار من هذه النقطة:

■ لنبدأ بسؤال سبق أن طرحه عليك الكاتب الراحل مجدى مهنا- رحمه الله- عندما سألك عن التعديلات الدستورية، وكان فى إجابتك الكثير من التحفظ، وتعللت بكونك سفيرا لمصر فى واشنطن، والآن كيف ترى المطالبات المتعددة بتعديل الدستور؟

- الدستور المصرى وضع فى مرحلة زمنية معينة تعبر عن فلسفة الثورة، وتم تعديله فى مراحل أخرى بشكل جزئى، ورغم أنه صيغ بجهد سياسى واجتماعى وقانونى يحترم، فإنه ظل يعبر عن مرحلة تجاوزناها، والدستور وثيقة قابلة للتغيير من مرحلة إلى أخرى ليتوافق مع تطور النظام المصرى، ومن الطبيعى أن تثار مسألة التعديل الدستورى مع بداية موسم الانتخابات، لذا أرى ضرورة تعديل الدستور، ولكن مع النظر إليه بدقة شديدة وتفنيد كل جوانبه، وأن يتم التعديل بشكل شامل وليس جزئياً، بما يتماشى مع الأوضاع الجديدة حتى لا نضطر إلى تعديله بشكل متكرر.

■ إذا افترضنا موافقة الحزب الوطنى على إجراء التعديلات البعض يشكك فى مصداقيتها، فى ظل سيطرة الحزب الوطنى على بقية الأحزاب، إضافة إلى مناداة آخرين بتعديل الدستور بالكامل قبل إجراء الانتخابات.. فكيف تحل هذه المعضلة؟

- لديك حق، وأنا أتفق مع من يقول بعدم وجود مصداقية للتعديلات فى حالة سيطرة حزب على الآخرين، كما أن مسألة إجراء التعديلات قبل الانتخابات أمر صعب والحل من وجهة نظرى أن يتعهد جميع المرشحين للرئاسة بتعديل الدستور، ووضع بند واضح وصريح بأن أى رئيس سينتخب بعد الرئيس مبارك، يتولى الرئاسة لدورتين رئاسيتين فقط، وهذا البند من شأنه أن يضفى مصداقية على باقى التعديلات حتى لو كانت هناك هيمنة لحزب على الآخرين.

■ وماذا لو رشح الرئيس مبارك نفسه؟

- أكن له كل الاحترام، وقد مثلته فى الخارج مرتين، لكننى أدعوه وغيره من المرشحين إلى التعهد بالتعديل الدستورى، وإذا رشح نفسه للرئاسة وفاز فى الانتخابات أرجو أن يحدد مدة الرئاسة لمن سيأتى بعده، أنا أقصد كل المرشحين، وعليهم اعتبار تعديل الدستور وتحديد مدة الرئاسة نقطة الالتقاء بينهم، يختلفون على أى شىء بعدها لا يهم.

■ بصرف النظر عن وضع هذا البند، ما هى باقى البنود التى ترى وجوب تعديلها؟

- لا أريد التعرض لبنود بعينها، ولكن يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة، منها، هل نسب التمثيل البرلمانى الحالية الخاصة بالعمال والفلاحين مازالت مفيدة، أم كان لها هدف فى الماضى، وهو تحقيق عدالة اجتماعية لما عانته هاتان الطبقتان قبل الثورة، وقد انتفى الهدف الآن؟ كما يجب النظر فى جميع النصوص الاشتراكية بعد تحولنا إلى اقتصاد السوق الحرة، كذلك كنا نتحدث فى الماضى عن حزب واحد واستفتاء عام على الرئاسة، اليوم لدينا تعددية حزبية وانتخابات رئاسية، كما علينا أن نضع فى الدستور، ليس فقط ما يضمن التعددية الحزبية، إنما التنافس بين الأحزاب، كل هذه أمور يجب مراعاتها أثناء مراجعتنا للدستور وإجراء التعديلات، لذا فإن التعديلات الدستورية مسألة صعبة جدا، وتحتاج إلى وقت وجهد وتدقيق.

■ ننتقل إلى تصريحات السفيرة الأمريكية مارجريت سكوبى، حول مقتل خالد سعيد، التى أثارت أزمات وتحفظات فى مصر، وهنا أود أن أسألك: هل تصريحات السفير الأمريكى تخضع لتعليمات أمريكية أم أنها اجتهاد شخصى من السفيرة؟

- لا نستطيع التعميم على كل الحالات، ولكن بغض النظر عن تصريحات سكوبى فإن التصريحات نفسها صدرت من وزارة الخارجية الأمريكية، بل ومن البيت الأبيض نفسه، وليس مهما ما إذا كانت هذه التصريحات بتعليمات أم لا، وكل ما أتحفظ عليه أن يتم التعقيب على قضايا بعينها قبل أن يترك المجال للمؤسسة القضائية الوطنية أن تحقق وتصدر أحكامها، نحن نعيش الآن فى إطار منظومة عالمية توضع فيها أسس للتعامل فى القضايا الدولية، وهناك أرضية لكيفية التعامل على المستوى الداخلى للدول، وعلى كل دولة الالتزام بهذه القواعد، لكن فى إطار الممارسة ذاتها يجب على الطرف الخارجى أن يتابع ما يريد دون تدخل، إلا إذا وجد قصورا فى التحقيق وفى النظام المتبع، وأن يكون القصور متكرراً وليس حادثاً استثنائياً، فأى دولة أجنبية تريد أن تتابع أى قضية أهلا وسهلا بها، ولكن لا يجب التعقيب قبل التحقيق.

■ لكن البعض يرفض التعقيب الأجنبى لا قبل التحقيق ولا بعده، ولا حتى فى حالة حدوث أى تقصير، فهو شأن داخلى؟

- أتفق معك تماما.. فلو أن كل دول عقبت على الأحكام الداخلية للدول الأخرى سنعيش فى حالة من الغوغائية، وما أقوله إن العالم تحكمه أسس مشتركة فى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفى إطار هذه المنظومة يتابع كل طرف الطرف الآخر.. ومؤخرا وجدنا الدكتور مفيد شهاب ذهب بنفسه إلى جنيف لمناقشة ملف حقوق الإنسان فى مصر، وهو دليل التزامنا بالشفافية والمراجعة الدولية حتى لو اختلفنا فى بعض الأمور.

مصر تستطيع التعامل بصدق وإيجابية مع التيارات الداعية إلى احترام حقوق الانسان، لأننا أعلنا صراحة أننا فى مرحلة مستمرة من الإصلاح الداخلى، ولكن فى نفس الوقت لا نسمح باستغلال هذا الملف سياسيا، وإلا سينقلب الأمر وسنجدهم يقولون لنا من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان عليكم بمعاداة فلان، من أجل الديمقراطية حاكموا واحبسوا فلانا ولا تحبسوا آخر وهى أمور لا نقبلها.

■ دعنى أطرح عليك السؤال المتكرر عن تراجع الدور المصرى.

- الحفاظ على الدور المصرى أصبح صعبا الآن، فاللعبة لم تعد كالسابق، لم تعد بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولم تعد الأطراف معدودة: العرب ضد إسرائيل، والخليج العربى ضد بلاد فارس، بل أصبح الخلاف بين سنة وشيعة وكرد، أصبح اللاعبون اكثر والأطراف متعددة، فى الماضى كانت مصر والسعودية وسوريا هى الأطراف الوحيدة اللاعبة فى القضية الفلسطينية الآن تعددت الدول، لذا أصبح لزاما على مصر أن تنظر شمالا وغربا وجنوبا وشرقا فى نفس الوقت، فالمنافسة على الدور أصبحت أشرس.

■ هل أنت راضٍ عن أداء الخارجية المصرية؟

- يجب أن تكون لدينا رؤية استراتيجية ومنظور لاحتياجاتنا وأولوياتنا، وعلينا أن نتوقع طبيعة المشكلات والمخاطر والفرص المتاحة، بمعنى أن نحدد ما هى احتياجاتنا من المياه والطاقة والغذاء، وأن نبحث عن مصادر تلبية هذه الاحتياجات، وأن نبدأ فى صياغة علاقاتنا مع الدول التى ستلبى احتياجاتنا، أى أن أضع عينى على طرق واتجاهات هذه الاحتياجات، ثم النزاعات الإقليمية التى من الممكن أن تؤثر علينا، وأن نضع سيناريو إذا ما حلت هذه النزاعات، وسيناريو إذا ما تعذر الحل وتأثيرات ذلك على مصر، على سبيل المثال يجب أن نعد سيناريو فى حالة نجاح التفاوض مع إسرائيل، وآخر إذا ما فشل، سيناريو ماذا لو لم أصل لنقطة مشتركة مع دول حوض النيل، وغيرها من القضايا.

■ إلى أى سياسة تميل.. سياسة وزير الخارجية الحالى أحمد أبوالغيط، الذى يقول إن الرئيس يضع السياسات الخارجية والوزير ينفذها، أم سياسة عمرو موسى الذى يقول إن الوزير مشارك فى صنع السياسات؟

- بل سأذهب أبعد مما قاله عمرو موسى، فأنا أرى أن أى مسؤول فى الدولة وأى موظف عليه المشاركة فى وضع السياسات سواء أُخذ بها من قبل رؤسائه أو لا.

■ وهل كنت تشارك فى وضع السياسات أثناء وجودك فى واشنطن؟

- تعريف منصب السفير رسميا هو ممثل رئيس الجمهورية لدى رئيس الدولة الأخرى، أى أننى أمثل رئيس الجمهورية وليس وزير الخارجية، هذا أولا.. ثانيا لم أبعث سفيرا للولايات المتحدة لأرسل معلومات فقط، فهى مهمة من الممكن أن يقوم بها سكرتير، كما أننى لن أرسل وجهة النظر التى تريد القاهرة سماعها، فالمنصب مسؤولية ضخمة، وما أرسله من المعلومات يساهم فى صناعة القرار المصرى، لذا يجب أن أكون حذراً ومدققاً لكل شىء.

■ ما أبرز القضايا التى أرسلت فيها وجهة نظرك إلى مصر، وماذا كانت وجهة نظرك؟

- أرسلت تقارير كثيرة مصحوبة بوجهة نظرى، بداية من اليوم الثانى عشر بعد وصولى إلى واشنطن، حيث سقطت طائرة مصر للطيران، ولم يكن لى سابق خبرة فى التعامل مع مثل هذه الأزمات، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تقول بأنه حادث انتحار، مستندة إلى قول البطوطى «توكلت على الله»، على الجانب الآخر أرسلت مصر تنفى عملية الانتحار، فأرسلت إلى أمريكا وأوضحت لهم أن «توكلت على الله» كلمة يقولها المسلم والمسيحى فى مصر عندما يبدأ يومه وعمله ولا علاقة لها بالإرهاب، وفى نفس الوقت أرسلت إلى مصر رأيى بأنه لا يجب أن نبادر بنفى شىء مازال طى التحقيق، مرورا بإرسال تقرير من ٢٠ صفحة قيّمت فيه شخصية الرئيس بوش واتجاهاته، فور توليه الحكم، وأرسلت للقاهرة أقول لهم إن بوش الابن يميل إلى التفكير الدينى، وإنه ليس لديه أدنى خبرة فى التعامل مع العالم الخارجى، حيث إنه رجل لم يسافر إلا مرتين فى حياته مرة إلى مصر ومرة إلى الصين، عندما كان والده يعمل سفيرا هناك، إضافة إلى أنه لن يسير فى اتجاه عملية السلام إلا تحت ضغوط شديدة .. فقد كانت القاهرة على علم باتجاهات بوش فور توليه السلطة.

■ لننتقل إلى القضية الفلسطينية.. كيف تقرأ تصريحات الرئيس أوباما أثناء الزيارة الأخيرة لنتنياهو للولايات المتحدة الأمريكية، التى قال فيها إن «إسرائيل دولة صغيرة لها احتياجات أمنية خاصة» وهل هذا يعنى أنها ستظل بحماية أمريكية خارج معاهدة منع الانتشار النووى فى المنطقة؟ وماذا تعنى جملة «مع مراعاة الأمر الواقع» أثناء الحديث عن الحل على أساس حدود ٦٧؟

- التصريحات الخاصة باحتياجات إسرائيل الأمنية تعنى تراجع الأمريكان عما تم الاتفاق عليه فى مؤتمر مراجعة اتفاقية منع الانتشار النووى فى منطقة الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل، هذه المراجعة التى أعادتنا إلى ما كنا وصلنا إليه حتى عام ٢٠٠٠ فى تناول قضية عدم الانتشار النووى فى المنطقة بما فى ذلك إسرائيل، بعد تدهور الموقف السياسى الدولى فى هذه القضية إثر ولاية بوش الابن، وبكل صراحة شعرت بإحباط شديد من هذه التصريحات، لأنها تتنافى مع مبادئ وفلسفة منع الانتشار النووى فى المنطقة، ولأن أمريكا تشير ضمنا إلى إبقاء دولة خارج إطار الاتفاقية.

أما التصريحات الخاصة بعملية السلام بين فلسطين وإسرائيل، فأنا أرى فى الإشارة إلى إقامة دولتين شيئاً إيجابياً، وإلى إقامة دولة فلسطينية على حدود ٦٧ أمراً إيجابياً أيضاً، ولكن جملة «مع مراعاة الأمر الواقع» تعنى تأكيد الأمريكان وأوباما أنهم لن يتراجعوا عن الضمانات القديمة التى أعطيت إلى رئيس الوزراء شارون من قبل الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش، وهو أمر يجب الحذر منه، لأن هذه التصريحات تؤكد احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات على الحدود. كما أن من الأمور السلبية فى هذه التصريحات أنه لم تتم الإشارة إلى وجود عاصمة فى القدس.

■ مؤخرا صدرت تهديدات من الرئيس الأمريكى إما ببدء التفاوض المباشر أو خسارة الحوافز الأمريكية، فكيف ترى الوضع؟

- القضية الفلسطينية وصلت إلى عنق الزجاجة، والخطة العربية تقول ببدء المفاوضات غير المباشرة ثم المباشرة ثم الذهاب إلى مجلس الأمن، وهنا أحد أمرين: إما أن تنجح المفاوضات، وإن كنت أشك فى ذلك، لأن جميع المؤشرات تشير إلى عكس ذلك، وهذه العملية ستتعدى الستة أشهر، وهنا سيتعلل أوباما بقرب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس ولن يتم اتخاذ أى موقف قبل الانتخابات، أو أن العرب سيذهبون إلى مجلس الأمن ويقدمون مشروع قرار يؤكدون فيه إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود ٦٧ وعاصمتين فى القدس، وحل قضية اللاجئين على أساس قرار ١٩٤، ويسجلون الموقف برمته تاريخيا ويسعون إلى جمع تأييد دولى، حتى لو تم ذلك سيمتد التفاوض حول مشروع القرار لعدة أشهر، هذا إذا كنا معنيين بتأييد أمريكى وليس فيتو، وفى كل الحالات لا أتوقع أى حل فى عام ٢٠١٠، خاصة مع انشغال أمريكا بانتخابات التجديد النصفى للكونجرس من ناحية، وعدم توافر الحد الأدنى لدى الحكومة الإسرائيلية لبدء التفاوض من ناحية أخرى. ولن يحدث أى شىء بكل تأكيد قبل ديسمبر القادم، وبعد انتهاء الانتخابات الأمريكية، وسينتظر العرب حتى تأتى حكومة فى إسرائيل لديها النية فى الحل.

■ كل الخيارات التى طرحتها ليس من بينها خيار للحل ولا خيار للحرب؟

- العرب لن يحاربوا، ولن يسمح لهم أحد بالحرب، والمناخ الدولى ليس مناخ حرب، ولا توجد حرب بدون مصر ومصر لن تحارب.

■ ولا حتى سوريا بالاشتراك مع إيران وحزب الله فى لبنان؟

- لو رصدت معدلات خرق الحدود المصرية الإسرائيلية ستجدينها أكبر كثيرا من معدلات خرق الحدود السورية الإسرائيلية، فالجبهة السورية هادئة، سوريا تعلم أن الحرب ليست فى مصلحتها الآن، فأى حرب تتحدثين عنها؟!

■ وماذا عن تهديدات حزب الله؟

- هناك فرق كبير بين حرب بالمعنى المتكامل، وصاروخ يسقط من حين إلى آخر على إسرائيل.

■ ظللنا نعمل لسنوات طويلة فى الملف الفلسطينى، فجأة وفى أحداث غزة أصبحت تركيا نجمة، فى حين قذفت السفارات المصرية فى الخارج بالحجارة، فأين موطن الخطأ؟

- لا يجب تقييم أداء الدولة من خلال ملف واحد، وفى فترة زمنية قصيرة الأجل، ومن الطبيعى أن كل من سيعمل فى الملف الفلسطينى ستسلط عليه الأضواء، لكنه حدث مؤقت، وأنا بالطبع أرحب بأى جهد يبذل، وهذا لا يخصم من رصيد مصر، صحيح أن مصر لم تصل إلى نتائج ملموسة، ولكن هذا لأن مناخ القضية الفلسطينية يمر من إيجابى إلى سلبى ومن سلبى إلى أسوأ، إضافة إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تريد السلام، وليس لديها الحد الأدنى الذى يمكن على أساسه بدء التفاوض.. عموما اللاعبون سيكثرون ولا يجب أن نشغل أنفسنا بذلك.

■ والحل؟

- أن نجتهد فى أكثر من ملف فى آن واحد، وليس فقط قضايا الشرق الأوسط، إنما باقى قضايا العالم، فالخبر اليوم الذى يذاع على الفضائية يستمع إليه كل من فى تشيلى وتايوان والصين وروسيا فى نفس اللحظة، فلو أن مصر أصبح لها دور فى الملفات العالمية ستظل بارزة فى المجتمع الدولى، إضافة إلى جانب مهم، وهو أن الإخفاق فى ملف ما، وقتها سيتضاءل أمام نجاحات فى باقى الملفات، وليس كما يحدث الآن، الإخفاق فى ملف يراه البعض إخفاقاً عاماً فى كل شىء، كما لا يجب أن تكون مصر فى موضع رد فعل للغير، بل يجب أن تكون لنا رؤية مستقبلية لحماية مصالحنا، وعلينا أن نكون طرفاً فاعلاً فى كل الملفات.

■ هذا يعنى أنه ليست لدينا رؤية؟

- لدينا المبادئ التى تحكم السيادة الوطنية والالتزام بالقانون الدولى.

■ وهل هذا يتعارض مع اتخاذ موقف مع إسرائيل وبناء علاقات جيدة مع دول حوض النيل وغيرها؟

- لا.. لذا أتحدث عن تحديد أولويات، وأذكر أننا كنا فى السابق مثلا نرسل سفير مصر فى السودان على درجة وزير احتراما منا لأهمية هذه الدولة، وأذكر أننا فى إحدى السنوات أرسلنا سفيراً للسودان على درجة وكيل أول وزارة، فأرسل لنا السودانيون يستفسرون عن الأمر، فأجبناهم بأن السفير الجديد ربما ليس على درجة وزير ولكنه رقم اثنين فى وزارة الخارجية، كما أنه كان من الضباط الذين ساهموا فى ثورة يوليو، هذا والسودان ليست أهم ولا أغنى دولة فى العالم، ولكنها تأتى على قمة أولوياتنا، كما يجب أن أضع جميع دول الجوار فى هذه المكانة، مثل إسرائيل وليبيا، فإن كانت الأولى مهمة لعملية السلام، فيجب أيضا أن نستثمر علاقتنا الجيدة بليبيا ولا نكتفى بالعلاقات الحسنة.

■ حديثك ينقلنا إلى الأزمة مع دول حوض النيل، هل لديك تعقيب على ما وصلت إليه؟

- قضية المياه يجب أن تحل على أساس الكسب للجميع، فلا يمكن حلها لصالح طرف على حساب الطرف الآخر، ولن تحل بالضغط ولا بسياسة الأمر الواقع، وإذا نظرنا إلى أزمة دول حوض النيل فلن نجدها أزمة مياه، إنما أزمة كيفية استغلال المياه لتوليد الطاقة لأغراض التنمية، وهو ما يدفعهم إلى تحميل مصر والسودان سعرا معينا للمياه التى تتجاوز الحقوق المتصورة بالنسبة إليهما، واعتقادى أن الحل يكمن فى الحوار والدبلوماسية الهادئة وكيفية الاستثمار فى حوض النيل من قبل مصر، بالنظر فى المشروعات المشتركة للاستخدام الأمثل للمياه، وقبول دول حوض النيل على الناحية الأخرى بأن قضية المياه استراتيجية بالنسبة لمصر والسودان، وعدم التعامل معها بمنطق فرض الرأى على الآخرين.

■ وهل تسير مصر فى الطريق الصحيح فى المفاوضات مع دول حوض النيل؟

- هناك جهود واضحة لا شك.. ولكن لا يجب أن نضيع وقتنا فى النقاش حول الحقوق التاريخية لمصر والسودان، فالحقوق قائمة.. ولا يجب أن يدور الحوار هل الحقوق قائمة أم لا، مصر تقول قائمة وهم يقولون لا.. وهذا خطأ فى الحوار، فالحقوق المصرية والسودانية معروفة ويجب التعامل معها على هذا الأساس، ويجب نقل الحوار إلى منطقة أخرى، وهى منطقة المصالح، كيف نحقق المصالح لدول حوض النيل دون المساس بالحقوق التاريخية والوضع التاريخى القائم، وهذا ما لم يكن يحدث.

■ هل الخارجية المصرية هى سبب الأزمة مع دول حوض النيل بتجاهل العلاقات معها لسنوات؟

- لا يجب أن نضيع وقتنا فى هل الخارجية قصرت أم لا، المهم أننا أمام مشكلة حيوية يجب أن تحل، وعلينا التركيز فى حلها، ثم إن الأزمة مع دول حوض النيل مستمرة منذ سنوات طويلة، تتوتر أحيانا وتخفت أحيانا، على حسب الظروف والأوضاع السياسية.

■ وعلى حسب حجم الضغط الأجنبى عليها لتأليبها على مصر؟

- لا شك أن التواجد الأجنبى فى دول حوض النيل كبير، ومتعدد الجنسيات، ولكن لو أننا ـ كما قلت ـ انتقلنا من النقاش حول الحقوق إلى النقاش حول المصالح ربما نصل إلى حل للأزمة.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=265634
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=265662

نبيل فهمي

:مبارك عرف مضمون كلمة بوش فى شرم الشيخ فغادر القاعة مبكراً
سفيرنا السابق فى واشنطن يكشف خفايا أزمات مصر وإدارة بوش
-------------------------
رانيا بدوي 27/2/2009
-------------------------

«فرح والعروسة جاية» هكذا اختصر نبيل فهمى، سفير مصر السابق فى واشنطن الفرحة الشديدة التى تعامل بها العرب بوصول باراك أوباما إلى الرئاسة فى أمريكا وعقدوا عليه كل الأمل فى حالة من الانتظار لما ستأتى به أمريكا من تغييرات وما ستقدمه لهم من حلول وكأن العرب دائما مفعول به.. ليس هذا فقط ما لفت نبيل فهمى الانتباه إليه فى التعامل مع أمريكا، إنما اكتشفت أثناء حوارى معه، أن هناك أمورا كثيرة فى صنع القرار الأمريكى غائبة عنا، ونفهمها أحيانا بشكل خاطئ ومغاير للواقع، فأمريكا ليست دولة مؤسسات فقط ،وإنما أيضا دولة رئيس، ليست دولة كونجرس فقط، إنما أيضا دولة جماعات ضغط، ولا يكون هناك قرار ضد مصر، إلا إذا توافقت جميع التيارات داخل الكونجرس عليه، ورغم أنه نادر الحدوث إلا أنه حدث فى 2007.. فى جلسة طويلة مع السفير نبيل فهمى فى منزله بجاردن سيتى، كشف جزءا من شهادته على مرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث، و9 سنوات من علاقة مصر بأمريكا.. شهدت توترات وخشونة، رغم كل ما يقال عن الحليف الاستراتيجى.

وتأتى أهمية هذا الحوار من أنه يجىء وسط أحداث مهمة تمس العلاقات المصرية الأمريكية، خاصة مع الحديث عن زيارة الرئيس مبارك لواشنطن بعد سنوات من الانقطاع، وربط البعض بين إطلاق أيمن نور من السجن كجزء من التمهيد لهذه الزيارة، مع توقعات بإعادة النظر فى ملف الدكتور سعدالدين إبراهيم، كجزء من عملية تمهيد الأرض لإعادة تنشيط العلاقات المصرية الأمريكية.

معالى السفير ما السبب الحقيقى وراء توتر العلاقات المصرية الأمريكية؟
ليس سببا واحدا، إنما تداخلت عدة أسباب مع بعضها وتزامنت، منها تعامل الإدارة الأمريكية مع مصر على أن لديها جميع الحلول لكل القضايا، ولا بد من الانصياع لها.
وتزامن ذلك مع بطء عملية السلام فى المنطقة، ورفض مصر للحرب على العراق، ولم يكن الأمر فقط يتعلق بالإصلاح السياسى ونشر الديمقراطية، والعلاقات الأمريكية طوال 25 عاما كانت جيدة وللأمانة، كان هناك دائما افتراض لحسن النية، وطالما اختلفنا مع الرئيس كلينتون ،أما الرئيس بوش، كان يرى أن الأصدقاء من الممكن أن يتفقوا ويختلفوا مع بعضهم بشكل علنى.. والدليل أن بوش جاء إلى مصر أكثر من أى رئيس أمريكى آخر، لذا لا أريد القول بأن العلاقات كانت متوترة لأنها فى النهاية قائمة المصالح.

ولكن لنقل إن العلاقات لم يكن فيها دفء، ووصلت إلى حد الخشونة فى التخاطب، فقد تحول النصح إلى شكل علنى، ولم تسمح مصر بأسلوب التخاطب الذى كانت تتبعه أمريكا من تجاوز للحدود، ومن هنا بدأ افتراض عدم حسن النية.

ولماذا وصل الأمر إلى الحد الذى رأيناه فى مؤتمر شرم الشيخ، وما حدث بين الرئيسين حيث لم يحضر بوش الكلمة الافتتاحية للرئيس مبارك، فترك الرئيس مبارك القاعة قبل بدء كلمة بوش؟
الرئيس بوش لم يحضر الكلمة الافتتاحية للرئيس مبارك، لذا كان طبيعى ألا يحضر الرئيس مبارك كلمته الافتتاحية.. وإن كنت أرى أنه كان يجب على بوش أن يحضر الكلمة الافتتاحية لرئيس الدولة المضيف.

كيف تضع نص كلمة بوش ضمن الاحتمالات.. وهل كان الرئيس مبارك على علم بمضمون خطبة بوش؟
نعم.. نص الكلمة كان عندى قبلها بحكم علاقاتى، وأبلغت بها الجانب المصرى، وكانت كلمة غير لائقة، وطلبت تعديل بعض الأمور فيها.. وقلت لهم إن هناك بعض الأمور من غير اللائق الحديث عنها، وستثير حساسيات وطلبت تغييرها.

وهل التزموا وعدلوا ما طلبه الجانب المصرى؟
عدلوا بعض النقاط، ولكن ليس الكل، وليس التعديل الذى كنت أتوقعه وللأمانة الكلمة كانت سيئة للغاية.

كنت شاهدا على الفترة التى أثير فيها تخفيض المعونات على مصر وربطها بالإصلاح السياسى.. فماذا حدث بالضبط؟
يجب أولا أن نفصل بين تعامل الإدارة الأمريكية مع المعونات، وتعامل الكونجرس.. فالكونجرس سجلوا تحفظهم على الإجراءات التى اتخذت ضد سعد الدين إبراهيم وقتها، ولكن لم يتخذوا أى إجراء بخصم مبالغ من المساعدات المقدمة لمصر، وكان الحوار بشأن سعد الدين إبراهيم يدور بشكل رسمى أحيانا، وبشكل علنى أحيانا أخرى. ولكن فى مرحلة ما، سعى الكونجرس لاتخاذ قرار باستقطاع جزء من المساعدات لمصر على أن تعطى لسعد الدين إبراهيم، وقد تحدثت مع بعض أعضاء الكونجرس بهذا الشأن معلنا رأيى ورفضى لقرارهم، كان رأيى أن القضاء هو الذى سيحكم فى قضية سعد الدين إبراهيم، إما بالإدانة أو البراءة ولن تتدخل الحكومة فى حكم القضاء، وقرار الكونجرس لن يكون مؤثرا ولن يفيد أحدا وسيكون قرارا غير سليم.. وتراجع الكونجرس بالفعل عن التفكير فى الأمر، أما فى مسألة أيمن نور، وبعد احتجازه ،أصدرت الإدارة الأمريكية تصريحا تسجل فيه اعتراضها.

إذن لماذا أثيرت فكرة تخفيض المعونات لمصر بهذه القوة؟ وهل تعتقد أنه نوع من التهويل الإعلامى؟
لا أستطيع أن أجزم أن كل ما نشر فى الصحف عن مسألة المعونة غير صحيح، ولكنه أيضا ليس كله صحيحا.كان هناك حديث بالفعل عن خصم جزء من المعونات، وكان ذلك لأكثر من سبب، منها قضايا الإصلاح السياسى، وقضية تهريب الأسلحة عن طريق الأنفاق إلى غزة، ومع هذا فى نهاية مرحلة المفاوضات داخل الكونجرس، والتى كنا داخلها ولكن من الخارج، بحكم علاقتنا المتعددة ببعض أعضاء الكونجرس، انتهى الأمر إلى ما سمى بالمشروطية، أى أنه ليس خصم جزء من المعونة، بقدر ما هو تأجيل لجزء من المعونات تدفع بعد التزام مصر بشروط معينة، وبعد إعلان رفضنا للأمر، أضافوا صيغة تسمح لوزير الخارجية الأمريكية بإغفال المشروطية إذا رأت أن تطبيقها سيمس بالأمن القومى الأمريكى، وصدر القرار ومعه هذا الاستثناء.

إذا كانت علاقتنا بالكونجرس جيدة كما تقول، لماذا تبنوا هذا التخفيض بهذه القوة؟
إذا ما قارنا الجبهات المعارضة لمصر داخل الكونجرس، لن تقارن بمؤيدى مصر والذين تربطهم علاقات جيدة بها، والكونجرس يحوى تيارات مختلفة ولا يكون الاتجاه بالكامل ضد مصر إلا إذا تحالف الجميع، وهذا من النادر أن يحدث، ولم يحدث هذا التحالف إلا فى 2007، حيث اجتمع مناصرو سعد الدين إبراهيم وأيمن نور مع من هم ضد مصر لموقفها الرافض للحرب على العراق، مع التيار شديد التطرف تجاه العرب لصالح إسرائيل، مع التيار الذى يرى وضع قوات دولية على الحدود المصرية مع غزة، ورفض مصر للفكرة.. هذا التحالف جعل الضغط فى مسألة المعونات قويا، ومع ذلك، كما قلت، لأن أمريكا تدرك جيدا حجم مصر فى المنطقة، وقيمة العلاقات المشتركة لم يتم خصم مليم من المعونة وانتهت الأزمة.

نأتى لمسألة العراق، وأنت شاهد عليها.. من اتخذ القرار؟ وكيف أبلغت مصر قبلها؟
أنا أرسلت لمصر تقريرا قبل دخول العراق بثمانية أشهر، أشرح لهم الوضع وأبلغهم بنية الأمريكان فى دخول العراق قبل أن يصدق أحد الأمر.

وماذا فعلت مصر؟
بدأت تتحدث مع الأمريكان وتحذرهم من خطورة الوضع.

وهل مصر كانت تعلم بأنه احتلال، وليس دخولا مؤقتا لإسقاط النظام ثم الخروج؟
نعم، وقد حذرناهم من مغبة ذلك، والرئيس مبارك تحدث إليهم كثيرا.

من الذى اتخذ القرار؟
الرئيس الأمريكى بلا شك، والكونجرس أعطيت له حجج غير صحيحة.

ولماذا العراق وليس أفغانستان؟
أفغانستان لم تكن مضمونة، فهى بلد ضخم، ولذا أراد البحث عن مكان آخر، والبعض ربط بأن الرئيس بوش الأب عندما، أخرج صدام حسين من الكويت لم يكمل المشوار، ومنهم ديك تشينى.. والبعض رأى أنه فى زخم الأحداث بعد 11 سبتمبر، كان يجب إعادة ترتيب البيت العربى وحتى تستطيع ترتيب البيت، يجب أن تهزه أولا.. وهو ما يسمى بالفوضى الخلاقة التى رأت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تمثل الفرصة لهز البيت العربى لإعادة ترتيبه من جديد.

إضافة إلى المهاجرين العراقيين، ومن هم ضد العراق، والذين عانوا من صدام حسين معاناة شديدة، ومنهم أحمد شلبى وكان له علاقات قوية بالبنتاجون، وأمد الأمريكان بالمعلومات قبل الغزو.

ولماذا ليست سوريا أو ليبيا مادام يبحث عن إحدى دول الممانعة لينجز فيها نجاحا يعيد به ثقة الأمريكان بأنفسهم؟
يجب فى النهاية حتى ولو كان القرار صح أو خطأ، أن يتم إقناع الرأى العام الأمريكى به، إضافة إلى بيعه وتسويقه فى الخارج.. فكيف تقنعينهم بأن سوريا لديها أسلحة دمار شامل، وجبهة الجولان صامتة وهادئة منذ عام 75، فلن يصدق أحد ذلك، ثم إنهم يبحثون عن عمل أكبر.

إضافة إلى كون وجود رغبة فى نقل منطقة التوتر ونقطة الارتكاز من الوسط حول عملية السلام، ومشكلة فلسطين واسرائيل، إلى العراق حتى ينشغل العرب بالعراق، ولا يتحدثوا عن السلام، وبالتالى هذا فى صالح إسرائيل.فلا يعقل أن ينقلوها إلى سوريا أى إلى جانب إسرائيل مرة ثانية.

أمريكا ضربت العراق من القواعد العسكرية فى الخليج؟
كل شىء كان مكشوفا.. القوات دخلت للعراق من الكويت، والكويت معروف موقفها من صدام، ثم كانت هناك قاعدة فى السعودية، وتم نقلها إلى قطر، لكن لا أعرف بالضبط أى القواعد استخدمت فى الحرب على العراق ونقل الجنود.

وماذا كان موقف مصر بخلاف رفض الحرب؟ وماذا فعلت مع العرب؟
استضفنا قمة فى شرم الشيخ لتجنب دخول الأمريكان العراق، وبعد القمة مباشرة ذهب رؤساء وملوك الدول العربية، قابلوا كولن باول.

هذا يعنى أنه كان هناك تواطؤ وتوافق عربى لغزو العراق؟
بعض الدول العربية.. ولم يكن هناك توافق ثم هذا تاريخ لن يفيد.

ما هى محاولات الضغط الأمريكية على مصر التى كنت شاهدا عليها وفى أى مجالات؟
لاشك أنه كان هناك رغبة أمريكية فى عدم الرفض لدخول العراق.. إضافة إلى أنه طلب قوات دولية على الحدود مع غزة، حتى قبل أحداث غزة الأخيرة أكثر من مرة بحجة مراقبة الأنفاق، وما إلى ذلك ومصر رفضت بشدة كما طلب لكنه طلب من أعضاء الكونجرس وليس من الإدارة الأمريكية بشكل رسمى، ولكن أيضا طالما طلب من مصر استضافة قواعد عسكرية أجنبية على أرضها، والرئيس مبارك لم يوافق أبدا، ليس فقط مع الأمريكان، ولكن دول أخرى.

إلى أى مدى ترضخ مصر لطلبات ورؤى الولايات المتحدة الأمريكية؟
القرار المصرى نابع من الداخل أحيانا، والمواقف لا تختلف، ربما يتأثر مدى نجاح أو فشل الهدف بموقف الإدارة الأمريكية منه.

لكن مصر اختلفت مع الإدارة الأمريكية فى عهد الرئيس كلينتون على تجديد اتفاقية منع انتشار النووى، وخسرنا الموقف ورضخنا لرؤية الولايات المتحدة الأمريكية؟
نحن كنا أعضاء فى اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية منذ عام 81، والخلاف الذى جرى بين أمريكا ومصر لم يكن فى مبدأ الاتفاقية لأننا من بادرنا بها، وجددها الرئيس مبارك فى بداية التسعينيات، ولكن الاختلاف فى عهد الرئيس كلينتون كان حول تمديد الاتفاقية، فأمريكا تريد تمديدها إلى الأبد، ونحن نرفض ونريد أن تكون لمدة 25 عاما وتجدد، فاختلفنا وكل طرف أصر على رأيه، وكان الخلاف هنا ليس بين أمريكا وايران، أو أمريكا والعراق، إنما أمريكا ومصر، وكانت خناقة وجلسنا نتفاوض طوال الليل، وكنت طرفا فى المفاوضات، فطلبوا أن نصيغ القرار الذى يناسبنا، فصغنا القرار ووضعنا فيه اسم إسرائيل فقال لنا عدد من الدول الأطراف فى المؤتمر، لا نستطيع أن نصوت على قرار منع انتشار السلاح النووى فيه إسرائيل بالاسم، وبعد مفاوضات شاقة وصلنا إلى صيغة أن تتبنى الدول الكبرى أمريكا وروسيا وانجلترا المبادرة فى مقابل عدم تسمية دول بعينها، وبالفعل الأمريكان والإنجليز هم الذين تبنوا القرار.

ولكن تم التوقيع على معاهدة أبدية؟
نعم، ولكن مصر كسبت أن يصدر القرار بتبنى الدول الكبرى فى قرار لأول مرة يخص المنطقة بالاسم. وقد طالب المؤتمر المنطقة بالكامل بمنع انتشارالأسلحة النووية.

ولكن لم يتم تسمية إسرائيل ولا إلزامها بنزع السلاح النووى؟
تمت مطالبة الجميع بالانضمام للاتفاقية، ونحن لم نكن ضد التمديد، فكما قلت نحن دخلنا الاتفاقية عام 81، ولم تكن فيها إسرائيل، وكل اهتمامنا كان يتركز فى دفع الدول الكبرى بمنع انتشار النووى فى المنطقة.. ثم أننا لم نكن نملك وقف عدم التصويت على القرار، ولكن لأن الولايات المتحدة تعرف أن مصر ستطلب التصويت ضد القرار الأول لأنه ناقص، وتسجل اعتراضها عليه وربما تنسحب، وبالتالى سينسحب معها بعض الدول، وأقول بعض وليس الأغلبية، لذا رأوا من المناسب أن تتم صياغة قرار بمنع الانتشار النووى، وتتبناه الدول الكبرى وليس مصر، ليكون برعاية دولية ورادعا لأى دولة.

من خلال معرفتك بالإدارة الأمريكية الجديدة هل أنت متفائل؟
العرب تعاملوا بفرحة شديدة مع تولى أوباما رئاسة البيت الأبيض وكأنه «فرح والعروسة جاية»، فى سذاجة لطيفة. المجتمع الأمريكى كان يريد التغيير، لذا اختار أوباما الذى يريد التغيير بدوره، وقد تحدث مرارا عن تغيير رؤية أمريكا للعالم، وصورتها أمام العالم، وسيغير السياسة الأحادية المبنية على تقدير الأمور من طرف واحد.. وسيفتح الحوار مع الجميع بما فيهم إيران، وكان خطابه تجاه المسلمين جيدا، فأوباما رئيس عمره 47 سنة، أمريكى من أصل أفريقى الأم أمريكية بيضاء، والأب كينى، كما أنه عاش جزءا من حياته فى أندونيسيا وجزءا فى هاواى، وتخرج من أعلى الجامعات الأمريكية وهذا يعنى تعدد ثقافاته، وذكر أوباما أن السلام فى الشرق الوسط فى مصلحة الأمن القومى الأمريكى، ولم يذكر كما كان من قبل أنه لحماية مصالح إسرائيل وهذه الرسالة قوية جدا.

إلا أنه يجب ألا ننسى أن أوباما فى النهاية رجل أمريكى، وليس عربيا، وهو سياسى وليس أكاديميا يؤمن بالمثاليات، فأنا ضد الإفراط فى التفاؤل بأوباما، ولا أحب أيضا أن ننغمس فى التشاؤم ونضيع الكارت الأساسى من أيدينا وهو المبادرة.

البعض يقول بأن السياسة الأمريكية واحدة، حتى وإن تغير الرئيس فهى دولة مؤسسات، وليست دولة أفراد؟
لا يوجد شىء اسمه الرئيس فى أمريكا ليس له قيمة، وإلا لوجدنا كل السياسة الأمريكية متطابقة طوال العهود المختلفة، وهذا كلام فارغ، ولكن أيضا الرئيس لا يستطيع أن يقلب المؤسسات رأسا على عقب فى يوم وليلة، لأن هناك قواعد وقوانين تحكمه، لكنه مؤثر، وإذا كان قويا يستطيع أن يوجه الإدارة والمؤسسات تجاه رؤيته، والدليل على سبيل المثال الرئيس نيكسون انتخب على أنه العدو الأول للشيوعية، ومع ذلك هو الذى فتح مع الصين، وأرسل هنرى كسينجر إلى باريس ليتفاوض مع الفيتناميين رغم ما بينهما من حرب، كذلك الرئيس ريجان الذى وصف الامبراطورية السوفيتية على أنها الامبراطورية الشريرة، ثم جلس مع رئيس السوفيت، واتفقوا على إنهاء سباق التسلح النووى بالكامل، إذن الرئيس يملك أن يغير السياسات واتجاهات الدولة.

معاونو أوباما؟
سيفعلون أكثر مما كان سيفعل غيرهمو وإذا ساعدتهم الأحداث سوف يحققون نجاحا، وإذا ساعدناهم نحن سينجحون، طبعا أقصد ساعدناهم فيما يحقق مصالحنا، وإن كان معاونو أوباما رجالا عمليين ويسعون للإنجاز بل ويتسم بعضهم بالتوازن، لكن لا أستطيع أن أجزم أنهم سيأخذون مواقف ستنجح بالضرورة فى كل مراحلها، ولكن ما أستطيع الجزم به هو أنهم ليس كل قراراتهم ستكون لصالح العرب.

كيف يمكن لمصر والعرب استغلال رغبة الإدارة الجديدة فى التهدئة والسلام فى المنطقة؟
لا توجد اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل خرجت من أمريكا، فكل مبادرات السلام خرجت من منطقة الشرق الأوسط، ولكن فى النهاية لا يوجد أيضا اتفاقية سلام بين إسرائيل والعرب لم توقع عليها أمريكا، لذا لا يجب إغفال الدور الأمريكى الهام، ولكن أيضا من الصعب أن ينتظر العرب دائما ما تمنحه الولايات المتحدة الأمريكية لهم، فالمبادرات أمر هام حتى وان لم ينفذ منها سوى 50 أو 60 % فهى فى النهاية أفضل من انتظار ما ستفعله أمريكا.. وعلى مصر أن يكون لها دور فى كل القضايا وأن تكون طرفا فى تحريك الأجندة، كما فعلها الرئيس السادات بعد حرب 73 وأجبر الجميع على السلام والجلوس للتفاوض.

حضرت مؤخرا مؤتمر ميونيخ للأمن الإقليمى، فهل كانت الدعوة رسمية وبأى صفة حضرت؟
لا، كانت بدعوة شخصية.. وكان يحضر المؤتمر ساركوزى، والمستشارة الألمانية ميركل، وجو بايدن، نائب الرئيس الأمريكى، وعدد من قادة الاتحاد الأوروبى.

ولماذا كنت العربى الوحيد فى المؤتمر؟
أمر غريب وأثار دهشتى، عندما فوجئت أننى الوحيد ولا أعرف السبب.

ربما لم يدع غيرك؟
دعك من هذا الكلام.

ربما تم دعوة عرب آخرين ولم يذهبوا؟
إذا لم يتم دعوة عرب إلى المؤتمر، فهناك شىء خطأ يجب البحث عنه فورا، أما إذا تمت دعوة العرب ولم يحضروا، فهى أنكى وأسوأ، خاصة أننى فوجئت بأن على لاريجانى كان موجودا وهذا يعنى أن المؤتمر الذى يتحدث عن الأمن الإقليمى تحضره إيران ولا يحضره العرب، أليس مثيرا للتساؤلات ويستحق منا التوقف عنده.

ولماذا تم حضور إيران رغم كل خلافلات أمريكا والاتحاد الأوروبى معها؟
الأمر ببساطة أن العالم رغم اختلافه مع إيران، إلا أنه مستعد دائما للحوار معها ولم يغلق الباب.

معالى السفير، لدى تساؤل خاص، فلتسمح لى به لماذا أنهوا مدتك قبل وصولك إلى سن التقاعد؟
أنا أصغر سفير فى التاريخ، حيث كان عمرى آنذاك 48 ،وكنت وزيرا مفوضا وكان قرار نقلى بعد 9 سنوات فى الولايات المتحدة الأمريكية سليما 1000 % فمكوث شخص 9 سنوات فى منصب واحد مدة طويلة جدا خاصة إذا كان خارج البلد، ثم أفضل توقيت لعمل التغييرات مع إدارة أمريكية جديدة.

ولماذا عدت إلى وزارة الخارجية بلا منصب، ولماذا لم يتم الاستفادة من خبراتك؟
أنا لا أسعى إلى المناصب، وأنا موجود ومازلت سفيرا فى الخارجية وإذا أرادوا مشورتى فى أمر ما سأعطيها لهم على الفور.

رشحت أكثر من مرة كوزير للخارجية؟
فرد مبتسما من رشحنى؟!
--------------------------------
نشر في اليوم السابع بتاريخ 27/2/2009

المتابعون