تخلي الإخوان وأصدقاء القرضاوي عنه لدعوته للفتنة
بقلم حسنين كروم المصري اليوم ١/ ١٠/ ٢٠٠٨
------------------------------------------
لن يخرج الشيخ يوسف القرضاوي سالماً من المعركة، التي قرر الدخول طرفاً رئيسياً فيها، لإشعال نار الفتنة الدينية بين المسلمين السنة والشيعة العرب، التي سبقه فيها مفتي السنة في لبنان ومجموعات من المتعصبين المصريين، الذين رددوا ما قاله متعصبون سعوديون بأن الشيعة أشد خطراً من إسرائيل.
وشارك فيها -للأسف- صحفيون مصريون محسوبون علي النظام مثل زميلنا محمد علي إبراهيم، الذي وصل به الأمر إلي المطالبة بطرد العراقيين الشيعة، الذين لجأوا للإقامة في مصر علي نفقتهم، هرباً من اضطهاد إخوانهم الشيعة الموالين لإيران لهم، بحجة أن إيران هي التي أرسلتهم إلي مصر!
وعندما نقول إن القرضاوي لن يخرج سالماً من هذه المعركة، فلأن أقرب الناس إليه أعلنوا عن شكوكهم نحوه، وهم أفراد المجموعة التي نصبته واجهة للتيار الفكري، وأرادت منذ سنوات حفر مجري له، بعد وفاة الداعية المرحوم الشيخ محمد الغزالي.
وكانت هذه المجموعة التي ضمت أصدقاءنا المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا والدكتور محمد عمارة وفهمي هويدي والمرحوم عادل حسين، الأمين العام لحزب العمل رئيس تحرير صحيفة «الشعب»، أرادت خلق تيار جديد يجمع بين التيار الإسلامي والتيار المؤمن بالعروبة، ويتجاوز خلافاتهما ويجمع بين إيجابياتها.
وقد فوجئ أفرادها بما قاله القرضاوي، ولهذا رأينا فهمي هويدي يشن هجوماً في «الدستور» ضده مستغرباً أن يشن حملة في هذا التوقيت ضد إيران وإثارة الخلافات بين الشيعة والسنة.
وكما أبدي الدكتور العوا اندهاشه مما قاله القرضاوي في حديثه مع «المصري اليوم» مع زميلتنا رانيا بدوي، والعوا هو الأمين العام للاتحاد الإسلامي الذي يرأسه القرضاوي، ويضم عدداً من علماء الشيعة.
أما الهجوم الأعنف والأكثر وضوحاً، فقد جاءه من طارق البشري في «الدستور» يوم السبت، رغم أنه تجنب ذكر اسمه، وكانت بداية المقال كاسحة إذ قال فيها: «فشت الفاشية في الأيام الأخيرة من عدد من علماء المسلمين من السنة والمهتمين بالشأن الإسلامي العام حول ما وصفوه بأنه نشاط للتبشير الشيعي في صفوف سنة المسلمين. وإحياء لما ردده بعض غلاة الشيعة قديماً عن الصحابة».
وقال أيضاً في إشارة واضحة للقرضاوي: «سادساً: إننا نعجب من أن هذه الفاشية جمعت بين من عرفوا بالاعتدال والوسطية وبين من عرفوا بالغلو ودعوا للعنف، جمعت بينهم في ذات الموقف السياسي، وفي ذات التوقيت، وجمعت بينهم بمبادرة منهم دون أن تقوم مناسبة تستوجب تخويف سنة المسلمين من شيعتهم».
كما وجه البشري أيضاً اتهاماً آخر بأن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن موقف القرضاوي يخدم السعودية. كما في قوله: «سابعاً: إن هذه الفاشية تكاد تلحظ في دوافعها موقف بعض الدول بالمنطقة، التي اعتادت أن تنطق باسم الإسلام والسنة.
واعتادت مناصرة السياسة الأمريكية المناصرة للموقف الإسرائيلي، وهي ذاتها من كانت تضع أيديها في أيدي شاه إيران الشيعي الفارسي الصفوي في ستينيات القرن العشرين ضد سيادة مصر الوطنية، ومنها السياسة العربية الوطنية وقتها رغم أنها كانت سياسة عرب وسنة مسلمين. فليس الثابت هو الموقف من الشيعة، ولكنه الموقف المؤازر للسياسة الأمريكية».
هذا بعض ما كتبه البشري، وحين نذكر اسمه، فنحن نشير إلي العلم والأمانة والموضوعية والنزاهة وعفة اللفظ، وسلامة الموقف الوطني والعربي والديني، في حين يصل الأمر معه إلي وصف ما قام به القرضاوي بالفاشية، وخدمة الموقف الأمريكي، فهذا معناه أن المجموعة التي رفعت القرضاوي فوق أكتافها ستلقيه من عليها إلي الأرض، وأيضاً فإن مفكراً بارزاً مثل صديقنا الدكتور أحمد كمال أبوالمجد وصف ما قاله القرضاوي بأنه زلة لسان.
ثم أكمل وزير الأوقاف الدكتور محمود حمدي زقزوق دائرة الحصار علي القرضاوي بنفيه بطريقة غير مباشرة ادعاءه بالمد الشيعي بقوله يوم الاثنين الماضي في حديث نشرته «نهضة مصر» وأجراه معه زميلنا مصطفي أشرف: «هذه مبالغات إعلامية ليست واقعية، وليست مبنية علي الأساس من الصحة.
والوزير بذلك نسف تماماً كل معلومات القرضاوي التي ذكرها لـ«رانيا بدوي» يوم الخميس الماضي بقوله عن المد: «من واجبي أن أحذر من هذا المد، وأن أبصر الأمة لأن والله سيسألني عنها يوم القيامة، لكن ما نسيه القرضاوي أنه لا بد أن يخضع لحساب الرأي العام في الدنيا عن المعلومات، التي يقولها ويعبئه حولها ضد إخوانهم الشيعة.
فمن أين جاء بها والوزير المسؤول يكذبها، والأمن لم يشر إليها؟ أي جهاز أمن آخر غير مصري أخبره بها؟ والمدهش أنه في نفس عدد «المصري اليوم» أدلي صديقنا والنائب الأول للمرشد العام للإخوان الدكتور محمد حبيب بتصريحات أخري لـ«رانيا» قال فيها: «أنا شديد الاندهاش من تصريحات شيخنا، وأسأله: أيهما كان أولي بالتحذير، المد الشيعي والخطر الإيراني أم الخطر الصهيوني؟ هناك يادكتور قرضاوي أولويات في الاهتمام والتحذير.
الصراع مع إيران صراع سياسي، والصراع الديني فيه يأتي في المرتبة الثانية». وهكذا تخلت عن القرضاوي مجموعته وجماعته، التي ساءت علاقتها به منذ مدة بإطلاقه دعوة لها بالاهتمام بالعمل الدعوي، وترك السياسة. تزامنت مع دعوات آخرين من خارج الجماعة، وهو ما اعتبرته عملاً منسقاً ضدها..
المهم أن القرضاوي لن يخرج سالماً من هذه الأزمة مهما صور له غروره أو بعض مؤيديه أنه زعيم وفقيه الأمة، خاصة أن الشكوك أصبحت تحيط بدوافع موقفه، وإن كنت لا أميل إلي من اتهموا النظام السعودي أو أي من دول الخليج إلي دفع القرضاوي لإثارة هذه المعركة، لأنها في رأيي ستسبب لها مشاكل داخلية عديدة لوجود شيعة من مواطنيها في شرق السعودية، ونصف أو أكثر من شعب البحرين.
وفي الكويت والإمارات وسلطنة عُمان، وسياسات هذه الدول تركز علي محاولة إبعاد مواطنيها الشيعة عن التأثر بإيران، وتغليب الانتماء الوطني والعربي علي الانتماء المذهبي، وتبذل جهوداً كثيرة، لتنفي عن نفسها أنها تضطهدهم.
ولذلك فهي ليست في حاجة للقرضاوي ليزيد من حدة هذه المشكلة بدلاً من تذويبها.. ويبقي البحث عن دوافع القرضاوي، وهو موضوعنا القادم إن شاء ربك الكريم.
---------
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=180544
إظهار الرسائل ذات التسميات سنة وشيعة. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات سنة وشيعة. إظهار كافة الرسائل
العرب وإيران.. إلي أين؟
السُنة والشيعة من الاختلافات الدينية إلي الصراعات السياسية
-----------------------------------------------
أجرت الحوارات رانيا بدوي ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨
-----------------------------------------------

«العرب وإيران.. إلي أين؟».. سؤال تاريخي يتردد أحيانًا بقوة، وأحيانًا يخفت، والبداية منذ ما قيل عن تشيع إيران نكاية في العرب السُنة، الذين استأثروا بقيادة الدولة الإسلامية منذ نشأتها، دون إعطاء الفرصة لسكان فارس الأكثر علمًا وثقافة - حسب اعتقادهم - والذين استعان بهم العرب في الدولة الإسلامية ليكونوا وزراء يديرون شؤون الدولة، دون أن ينالوا نصيبهم من التربع علي العرش.
في العقود الأخيرة، أخذ المد والجذب بين السُنة والشيعة، والعرب وإيران، أشكالاً مختلفة، في العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين.. في حرب الخليج الأولي، والموقف العربي المؤازر لصدام حسين..
وردّت إيران بمحاولة استمالة سوريا والتحكم في جزء من لبنان، ووصولها إلي الحدود مع فلسطين..البعض يري ذلك رغبة إيرانية في أن يكون العالم العربي مدًا حيويا لها، خاصة بعدما اتخذت من القضية الفلسطينية موضوعًا مركزيا للوصول إلي وجدان الشارع العربي.
وجاءت أحداث ١١ سبتمبر، واعتبار أمريكا أن الإسلام السُني هو الإرهاب، وهو الهدف الرئيسي لها، وقيامها بضرب «طالبان» في أفغانستان، وإسقاط صدام حسين في العراق، لتكون - بحسب محللين - في صالح إيران، التي اعتبرت نفسها تخلصت من هذا الحصار.
ويعتمد بعض المحللين علي هذين الحدثين في التاريخ كبداية مد شيعي حقيقي، وأكثر حرية في التصرف، مخترقًا الحدود السُنية.
أما الحوار الأخير للشيخ يوسف القرضاوي مع «المصري اليوم» فقد أعاد طرح السؤال مجدداً وبقوة، خاصة مع الرد الإيراني والهجوم الشديد علي آرائه.
وهنا خبراء ومحللون سياسيون يفسرون حقيقة الصراع بين السُنة والشيعة.
------------------------------------------------
محمد سليم العوا
لا يوجد مد شيعي..
وإنما إعجاب بنماذج الشيعة في إسقاط الشاه والمقاومة
------------------------------------------------
الدكتور محمد سليم العوا المفكر الإسلامي ورجل القانون كان أول من بادر بإبداء رأيه فيما قاله الشيخ القرضاوي، وأبدي اعتراضه علي تصريحاته مع الحفاظ والإقرار الدائم بما تجمعهما من صداقة، خاصة أن الدكتور العوا هو الأمين العام للاتحاد العالمي للمسلمين، الذي يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي.
* أبديت اعتراضك فور قراءتك الحوار الذي أجريناه مع الشيخ القرضاوي، فلماذا؟
- الشيعة مسلمون تماماً مثلنا يختلفون معنا في بعض الفروع كما تختلف المذاهب السنية مع بعضها البعض.. القول بأنهم يقولون إن في القرآن نقصاً غير صحيح فلا يوجد عالم شيعي يقول بذلك ومسألة أن هناك نشاطاً شيعياً في البلاد السنية تصور بأكثر من حجمها الطبيعي، لاسيما في مصر،
ولا يوجد تبشير بالشيعة كما لو أنه كان ديناً آخر، فهذه مجرد دعوة لمذهب يقوم بها بعض الأفراد المقتنعين بأن من واجبهم الدعوة إلي هذا المذهب، وأنا أعتقد أن الخوف غير مبرر ومصر ظلت ٢٠٩ أعوام شيعية تحت مظلة الحكم الفاطمي، وعندما خرج الفاطميون صباحاً عدنا سنة كما كنا في الليل،
فلا يوجد ما يسمي المد الشيعي أصلاً، إنما يوجد إعجاب بالنموذج الشيعي في إسقاط الشاه، ويوجد إعجاب بالنموذج الشيعي وحزب الله في مقاومة إسرائيل، وأنا نفسي معجب بهذه النماذج، وهذا لا يعني أنني شيعي أو أدعو إلي التشيع.
* هل أنت مع الرأي القائل بوجود أطماع لإيران في المنطقة؟
- هذا ما يريدونه في الغرب أن نخاف من إيران، فلا نتحد معها سياسياً، لأنهم يعرفون لو أن السنة اتحدوا مع الشيعة سياسياً لتغيرت موازين القوي في العالم كله، ولكن المقصود من الدول المهيمنة الكبري ألا يحدث أي تقارب بين إيران والدول السنية.. وأنا أعتقد أن لدي إيران من المشاكل ما يكفيها ولا أعتقد أن لها أطماعاً في المنطقة ولكنها دولة كبري ذات قوة محترمة،
وتري أنه يجب أن يكون لها في إقليمها صوت، ولا يجوز أن تكون دولة من الدرجة الثالثة ومن حقها ألا تأتي دولة مثل أمريكا أو إسرائيل وتنافسها في وجودها في الخليج، فهي جزء من الإقليم وليست مزروعة فيه.
* هذا معناه أنك مع حفاظها علي مصالحها في المنطقة؟
- طبعاً.. أليست مصر هي الأخري لها مصالح في المنطقة.. أليس لسوريا مصالح أيضاً، فلماذا نلوم إيران إذا كانت تحاول الحفاظ علي مصالحها مادمنا نحن لا نستطيع الحفاظ علي مصالحنا، أنا أقر وأبصم بالعشرة بوجود مشروع إيراني سياسي واقتصادي وثقافي في المنطقة، ولكن السؤال المهم: أين المشروع السني؟ أين المشروع المصري وأين المشروع السعودي؟ أين المشروع القديم وهو حلف القاهرة دمشق الحجاز؟ أين هذا المحور؟ مات! فلماذا تريدون موت المحور الشيعي.
* كيف تري الصراع السعودي الإيراني؟
- خطأ كبيراً وضد المصلحة الإسلامية العليا، فالمصلحة الإسلامية العليا تتمثل في التكاتف المصري السوري السعودي الإيراني التركي، إذا استطاعت هذه الدول الخمس أن تصنع فيما بينها تكاتفاً وتنسيقاً في المواقف السياسية والاقتصادية لتغيرت خريطة العالم، وإذا قصرنا فالمقصر سيسأل يوم القيامة.
* هل تؤيد القرضاوي الرأي أم تخالفه في ضرورة عودة الإخوان للعمل التربوي والكف عن العمل السياسي؟
ـ مشكلة الإخوان المسلمين الحقيقية هي في إخفاقهم السياسي، وهم لا يستطيعون في رأيي تقويم الدول، وهذا ليس من العقل في شيء.. وأنا قلت لهم كثيراً اشتغلوا بالتربية، وبما كان يعمل به حسن البنا، وقد وجدت أن الأستاذ عادل كمال وهو من الرعيل الأول في الإخوان أرسل للمرشد العام رسالة بنفس المعني ونشرت في الصحف،
وعلي ما يبدو أن هناك فريقاً داخل الإخوان المسلمين بدأوا يقتنعون بضرورة ترك الإخوان للسياسة والعودة إلي العمل الاجتماعي والتربوي، فنحن لدينا مشكلة أن المواطن العربي المسلم فقد كثيراً من قيمه وأخلاقياته، ونحن نريد من يعمل علي إعادتها.
* هل تخشي علي الإخوان إذا ما عملوا بالسياسة أم تخشي منهم؟
ـ هدف أي فرد أو جماعة من عمل حزب أن ينافس علي الحكم وهذا حقه وأنا مع أي إنسان يريد عمل حزب، حتي لو كان شخصاً واحداً، ولكن جميع القيود الموضوعة في قانون الأحزاب هي قيود تمنع العمل السياسي ولا تتيحه،
وهي خطيئة فقد ينبت العمل السياسي الحر زعامات وقيادات سياسية من الإخوان أو من غيرهم أفضل من الموجودة الآن، فلماذا نحرم الأمة؟ في الغرب نجد زعامات شابة تتولي أمور الدولة خمس أو سبع سنوات وتأتي بنتائج مبهرة، ثم يأتي غيرها وهكذا.. وهذا بالطبع من تأثير الديمقراطية وحرية العمل السياسي.
* ما نصيحتك لجماعة الإخوان في ضوء الظروف السياسية والأمنية التي يمرون بها؟
ـ أنا أقول لجماعة ضخمة وكثيرة العدد مثل الإخوان المسلمين إذا كانت السياسة ستعيقكم عن العمل ونشاطكم الاجتماعي والتربوي فلتتركوها، واعملوا بالتربية، فما الذي نستفيده من ضرب الإخوان في الانتخابات أو اعتقالهم أو حظر نشاطهم، لكنني سأستفيد منهم في الشارع وفي التربية.
---------------------------------------------------
منصور حسن وزير الثقافة والإعلام الأسبق:
لا يوجد صراع بين العرب وإيران..
وفتور العلاقات وراءه أمريكا وإسرائيل
---------------------------------------------------
منصور حسن، وزير الثقافة والإعلام الأسبق، قامة سياسية وثقافية في مصر، ترصد الأحداث المصرية والعربية والعالمية في صمت تحللها وتضع خطوطاً تحت بعضها مؤيدة أو معترضة أو مبررة، إلا أنها من النادر أن تجهر برأيها إلا علي فترات طويلة.. كان لـ«المصري اليوم»،
وافر الحظ بإقناعه بالظهور علي صفحاتها للرد علي حقيقة الصراع بين العرب وإيران، لما لها من رؤية معتدلة ومختلفة وبما لها في قلوب وعقول الناس من محبة ومصداقية، لذا كان وجوده ضمن هذا الملف إثراءً وإضافة له.. سواء اتفقنا معه أو اختلفنا:
* ما هي حقيقة الصراع بين العرب وإيران؟ وهل تراه في الأصل دينياً؟
- العلاقات العربية الإيرانية خيم عليها في الآونة الأخيرة ما يمكن أن نسميه نوعاً من الفتور، وليس صراعاً بالمعني المفهوم، لأنني أعتقد أنه ليس هناك في حقيقة الأمر أي مجال لصراع ديني أو حتي سياسي مع إيران، فمن الناحية الدينية لا أستطيع أن أخوض في الفروق بين المذهبين السُني والشيعي،
ولكني أثق أن ما بينهما من اتفاق علي أساسيات الدين الإسلامي هو أقوي وأكبر، وهو ما يمكن أن نتمسك به حرصاً علي تماسك الأمة، لذا اندهشت من تصريحات الدكتور يوسف القرضاوي لأنني أعلم أنه عالم إسلامي جليل ومعتدل ومن أكثر المؤمنين بالتقارب بين المذاهب،
أما من الناحية السياسية فلا يوجد أي مجال للخلاف أو الصراع بين العرب وإيران، ولكن ما يخيم علي العرب من فتور كما قلت هو بفعل أمريكا وبإيعاز من إسرائيل التي تري خطورة إيران عليها في المنطقة، ومن هنا تحاول أمريكا عزل إيران وحصارها بإفساد العلاقة بينها وبين جيرانها.
* هل هذا الحصار لحماية إسرائيل أم بسبب الدور الإيراني في العراق؟!
- لا أؤمن بذلك، فالحدة التي تتعامل بها أمريكا مع إيران ليست بسبب العراق، إنما السبب الحقيقي هو خوف إسرائيل من إيران التي تري خطورتها الشديدة عليها، ونتيجة تحيز أمريكا لإسرائيل لذا تحاول أن تكتل أكبر دول عربية في المنطقة ضد إيران،
وما يحدث في العراق هو نتيجة وليس سبباً، بل أصبح من المعروف الآن حتي في الولايات المتحدة الأمريكية أن العدوان الأمريكي علي العراق واستمرار الاحتلال، كان نتيجة لخطة وضعتها المجموعة الصهيونية في البنتاجون الأمريكي بقيادة وولفويتز لحماية إسرائيل والحرص علي مصالحتها.
* قلت ولا حتي صراع سياسي.. إذن ما ردك علي من يقول بوجود مشروع إيراني في المنطقة، وأطماع سياسية تعمل علي تحقيقها؟
- هل حاورنا إيران عن هذه الأطماع؟! إن وجدت حقيقة، هل بذلت أي من الدول العربية الجهد الكافي تجاه سؤال إيران والجلوس معها للتفاهم حول هذه النوايا وهذه الأطماع لإنهائها أو تلاشيها أو تقريب وجهات النظر! بالطبع هذا لم يحدث فنحن سرنا خلف من يقول بهذه الفكرة دون أي مجهود يذكر.
* ولكن إيران تتحالف بقوة مع سوريا ويقال إنها تمد حزب الله في لبنان والشيعة في العراق بالسلاح، فإذا لم يكن لها أطماع لماذا يصل الأمر إلي حد الدعم بالسلاح؟
- أؤكد مرة ثانية أن ما يحدث هو نتيجة وليس سبباً، فلو أن إيران كانت تطمئن للعالم العربي من حولها، ومتأكدة من أنه مسالم بشأنها لما كانت تحاول أن تخترقه وتمد جسورها إلي مواقع تقبل بها، حماية لمصالحها ضد إسرائيل.
ثم إن الذي يدعو إيران لكي تمد جسورها إلي سوريا وحزب الله و«حماس» هو في رأيي محاولة كسر الحصار الذي تحاول أمريكا فرضه عليها وليس لمصالح سياسية في المنطقة،
ولا تنسي أن هذه الأطراف الثلاثة أيضاً هي نفسها الأكثر عداء لأمريكا، وبالتالي تجد ملاذا في اللجوء إلي إيران، وهنا أؤكد أن استقواء العرب بأمريكا ضد إيران خطأ، لأنه من غير الحكمة أن تستقوي علي جارك بالغريب، لأن الغريب قد يهب لنجدتك مرة أو مرتين، أما الجار سيظل جارك أبد الدهر.
* وماذا عن احتلال إيران للجزر الإماراتية؟
ـ لاشك أن للإمارات مطالب حقيقية، وأعتقد أنه لو لم تكن العلاقات العربية - الإيرانية تمر بما تمر به الآن من توجس متبادل لكان من الممكن أن يحل هذا الإشكال بالتفاوض.
* وهل تعتقد أن باقي الدول العربية مؤمنة بفكرة الصراع سواء الديني أو السياسي مع إيران، كما هو إيمان الدول حلفاء أمريكا أو كما يتم تسميتها الدول المعتدلة؟
ـ لا.. بدليل أننا لم نسمع عن أي صراع أو حتي برود بين هذه الدول وإيران، وهو ما يؤكد أن أمريكا استغلت حلفاءها في المنطقة للترويج لهذا العداء، خاصة لقرب هذه الدول جغرافيا من إيران بعكس باقي دول الوطن العربي.
* ربما نتفهم انسياق دول الخليج خلف ادعاءات أمريكا نظرًا لقربها الحقيقي من إيران، ولكن بماذا تفسر موقف مصر من إيران وهي أبعد جغرافيا وغير متضررة بشكل مباشر لو افترضنا وجود صراع ؟
ـ لا تعليق!! وأحيلك إلي ما قلته سابقًا.
* هل تظن بالفعل أن شارعاً باسم الإسلامبولي أو فيلم «مقتل فرعون» أسباب حقيقية للصراع بين مصر وإيران؟
ـ أولاً إيران أعلنت أكثر من مرة عدم مسؤوليتها عن الفيلم، أما اسم الشارع فلاشك أنه سقطة سياسية من طهران، بل ضد قيم الدين الإسلامي الذي تدين به إيران، أن يتم تمجيد اسم شخص قتل آخر بغير وجه حق، وكان علي إيران أن ترتفع عن هذا الموقف وتراعي مشاعر المواطنين المصريين حرصاً علي إقامة علاقات سليمة في المستقبل، ولكن هذا لا يجب أن يكون سبباً للصراع.
* وماذا عن القول بوجود عداء شديد بين السعودية زعيمة السنة وإيران زعيمة الشيعة؟
ـ المتابع لحركة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران خلال العامين الماضيين يجد أن كلا الطرفين يجاهد علي ألا يبقي الوضع متأزما، وألا تتسع شقة الخلاف بينهما، وهذا ليس من شيم المتصارعين بحق، وهو أكبر دليل علي إيمانهم بأن هذا الوضع ضد طبيعة الأمور.
* عودة إلي الشق الديني.. هل تعتقد أن عدد الشيعة في الدول السنية قد زاد؟
ـ لا أعرف من الناحية الإحصائية هل العدد في تزايد أم تناقص، ولكن هذا الموضوع لا يثير اهتمامي علي الإطلاق ولا أخشي من انتشار أي مذهب من المذاهب الإسلامية، وأري أنه مثل أي مذهب إسلامي وآخر حنفي أو حنبلي، وزيادة أنصار مذهب علي الآخر ليس فيها انتقاص للإسلام بأي صورة من الصور، ولكنني من أشد المتحمسين بلاشك للتقريب بين المذاهب.
وختاماً علينا أن نراعي أن السلام والاستقرار الحقيقي في المنطقة يقتضي أن تكون العلاقات بين الدول العربية - وبالذات مصر - مع إيران وتركيا علاقات تعاون وتفاهم.
--------------------------------------------------
محمد حبيب النائب الأول لمرشد «الإخوان»:
أسأل القرضاوي.. أيهما أولي بالتحذير:
الخطر الإيراني.. أم الخطر الصهيوني؟
--------------------------------------------------
* محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين، علّق علي نصيحة الشيخ القرضاوي للجماعة بالتخلي عن العمل السياسي لصالح العمل التربوي؟
بقوله: ـ جماعة الإخوان المسلمين لها ثلاث وظائف الأولي تربوية تهتم بإعداد الصف والكوادر، لتكون مؤهلة للدعوة لشمولية الإسلام ولتبليغ الرسالة بوحدة الصف والتمسك بالأخلاق والترابط والاتصال الدائم مع اللّه..
والوظيفة الثانية خاصة بالدعوة، وفيها كيف يتحرك الصف للارتقاء بالمجتمع فكريا وأخلاقيا وإيمانيا وتغليب القيم والمصلحة العامة علي الخاصة.. أما الوظيفة الثالثة فهي سياسية،
حيث نحاول أن نصلح المؤسسات والأجهزة الإدارية للدولة من خلال القنوات الدستورية والشرعية بأن نصل إلي مجلس الشعب ونخوض انتخابات الشوري والمحليات واتحادات الطلاب والنقابات والهدف الرئيسي هو محاربة الفساد المستشري في جميع أجهزة الدولة..
والتصدي لاستبداد النظام الذي أدي إلي غلاء الأسعار وأزمات الخبز والبطالة والتعليم وغيرها.. ولو أن الفساد نسبته ١٠٠% واستطعنا أن نصل به إلي ٧٠% فهذا مكسب كبير.
* ولكن بعد دخول الإخوان المجلس لم يشهد المجتمع فسادًا أقل بل شهد ما هو أكثر؟
ـ نسبة الفساد كان من الممكن أن تكون أكبر لو أن الإخوان ليسوا في المجلس، فإذا ما أحضرت قالب زبدة وحاولت تمرير السكين فيه سينقطع سريعًا، أما إذا وضعت مسامير في داخله فلن تستطيعي القطع.. والإخوان هم المسامير التي تعوق تمزيق البلد سريعًا من قبل النظام..
ثم أننا مازلنا نضع الأساس الذي سنبني عليه.. أما مسألة تحقيق النتائج فهي أمر يتعلق بمشيئة المولي عز وجل، نحن نقوم بواجبنا تجاه اللّه والوطن.
* هذا يعني رفض نصيحة القرضاوي بالتخلي عن السياسة؟
ـ لن نتخلي عن السياسة رغم احترامنا للشيخ القرضاوي، والأمر بالنسبة إلينا لا يتجزأ.
* هل فعلاً انشغلتم بالسياسة وأهملتم الجانب التربوي؟
ـ هذا كلام غير صحيح، لم نهمل أمرًا ونسير في الأهداف الثلاثة بالتوازي والتساوي.
* ألا تعتقد أن الخسائر في صفوف الإخوان أصبحت فادحة وتتطلب إعادة ترتيب الأولويات؟
ـ الإخوان تم ضربهم ضربات قاصمة في أعوام ١٩٤٩ و١٩٥٤ و١٩٦٥ ولو أن جماعة أخري تعرضت لما تعرضنا له ما احتملت، وكان انتهي أمرها من زمن، ثم أن الحرية لا توهب، والديمقراطية لا تمنح وكلتاهما لها ثمن علي الإخوان دفعه، وعلي الشعب المصري كله أن يدفعه،
فلا توجد سلطة حاكمة تتنازل طواعية عن الحكم.. لننتظر أن يتغير الواقع من نفسه فالواقع لا يتغير إلا إذا قرر الرأي العام تغييره، ونحن نعمل علي تحفيز وتوعية الرأي العام.
* هل لديك تعليق علي ما قاله الشيخ القرضاوي بشأن خطر المد الشيعي؟
ـ أنا شديد الاندهاش من تصريحات شيخنا وأسأله أيهما كان أولي بالتحذير المد الشيعي والخطر الإيراني أم الخطر الصهيوني.. هناك يا دكتور قرضاوي أولويات في الاهتمام والتحذير.. الصراع مع إيران صراع سياسي، والصراع الديني فيه يأتي في المرتبة الثانية.
----------------------------------------------
عمرو الشوبكي:
إيران اعتقدت أن القرضاوي يعبئ السُنة ضدها
لتسهيل الضربة الأمريكية
----------------------------------------------
الدكتور عمرو الشوبكي المفكر والمحلل السياسي، كانت له قراءة مختلفة لتصريحات الشيخ القرضاوي ظهرت عندما سألته: هل لديك قراءة تحليلية لتصريحات الشيخ القرضاوي وحديثه عن خطورة المد الشيعي ووجوب التصدي له؟
فأجاب: إنتاج الشيخ القرضاوي من الفقه والدين يفوق إنتاجه السياسي وأهميته الحقيقية هي أهمية دينية وليست سياسية، لذا من الصعب أن نقول إن تصريحاته كانت تحمل معني سياسيا،
فأنا أعتقد أنها تصريحات تعود لكونه زعيمًا سُنيا يستشعر خطورة ما علي مذهبه لذا قال ما قال.. ولكنه أغفل أمرًا مهمًا عندما تحدث عن مد واختراق شيعي للسُنة، وأنا لا يمكن لي أن أعتبر هذا الاختراق الذي تحدث عنه القرضاوي أنه منظم ومدروس ومخطط من قبل إيران، إنما هو اختراق نابع في الأصل من ضعف جميع المؤسسات السُنية في العالم العربي،
والشيخ القرضاوي يعلم جيدًا بل عاني كثيرًا من فكرة استبعاد العلماء الأقوياء أمثاله وأمثال الشيخ الغزالي رحمة اللّه عليه من تقلد رئاسة الأزهر، رغم أنه في الواقع أحق من كثيرين، هذا الواقع الضعيف والمهين للسُنة جعل الساحة السُنية مخترقة وأصبح الوزن الفقهي والفكري للشيعة أكبر من نظرائهم السُنة،
وأصبح هناك بريق للسيد حسن نصر اللّه وهذا غير موجود في المؤسسات السُنية، لكل هذا أنا أري أنه قد حدث اختراق شيعي للسُنة بالفعل ولكنه بسبب غياب مصداقية علماء السُنة لدي جموع المسلمين والشيخ القرضاوي رأي المسألة من زاوية واحدة.
* إذا كان القرضاوي يقصد المعني الديني فقط.. فبماذا تفسر هذا الاستنفار القوي لدي إيران من هذه التصريحات؟
- رد إيران علي القرضاوي رد مسف ومسيء ويخصم من رصيدها، ولكن من طبيعة هذا الرد يتأتي علي الذهن مباشرة أن القائمين علي وكالة الأنباء هذه التي تبنت الرد ونشرته، والتي يقال إنها وكالة رسمية هم جماعة المحافظين، وهو التيار الذي يتبناه أحمدي نجاد، بل موجود في عدد كبير من مؤسسات الدولة، وليس خافياً أن الرئيس السابق محمد خاتمي نفسه قال من قبل إن سياسات أحمدي نجاد تخدم أعداء إيران.
* هل تعتقد أن وجود الشيخ القرضاوي في قطر كان له أثر في التفسير السياسي لتصريحاته.. وطبعاً أقصد احتضان قطر للقاعدة المركزية للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط؟
- اعتقد أن هذا التفسير هو الذي ورد علي ذهن إيران، وربما تخيلت أن القرضاوي قصد تعبئة السنة ضد الإيرانيين في محاولة لتسهيل ضربهم من قبل الأمريكان، وأنه ربما علي العرب مساعدة الأمريكيين في هذه الضربة، ولكنني أعتقد أنها قراءة خاطئة ولا أظن أن القرضاوي كان يقصد هذا علي الإطلاق خاصة أنه أكد فيما بعد أنه يرفض أي اعتداء علي إيران من قبل أي جهة أجنبية.
* وكان من الطبيعي أن أنتقل مع الدكتور عمرو الشوبكي من أمر إيران إلي أمر الإخوان المسلمين في مصر، انطلاقاً من النصيحة التي وجهها الشيخ القرضاوي لهم بضرورة العودة إلي العمل التربوي وبعد أن قال نصاً إنه يعتب عليهم لاهتمامهم بالسياسة علي حساب الجانب التربوي، وسألت الدكتور الشوبكي إذا كان يتفق مع نفس وجهة النظر هذه أم لا؟
ـ فقال: هي نصيحة منزوعة السياسة من الشيخ القرضاوي، فمسألة السياسة بالنسبة للإخوان المسلمين أصبحت هيكلية الآن، رغم أن بداية الجماعة التي أسسها حسن البنا قامت في الأساس علي جانب التربية والدعوة، إلا أن الأمر اختلف وعموما لا يمكن لأحد أن يحظر علي أحد العمل السياسي.
* لكن القرضاوي لم يحظر عليهم السياسة.. وهو ليس ضد فكرة تكوينهم لحزب، غير أنه برؤيته للأوضاع وجد أن الإخوان انشغلوا بالسياسة في دولة الممارسة السياسية فيها صعبة وهو ما أدي إلي صراع دائم مع الإخوان جعلهم منشغلين بهذا الصراع علي حساب تربية الأمة التي يراها أولي من أجل تصحيح قيم المجتمع التي فسدت نتيجة أنظمة الحكم المتعاقبة؟
ـ عمل الإخوان بالتربية لم يؤت الثمار المرجوة فقد عملوا بالتربية والدعوة حتي عام ١٩٥٢ فلا وصلوا للسلطة ولا أصلحوا المجتمع.. فما الذي جد علي الأمة، لكن أن يترك الإخوان العمل السياسي بدعوي أن النظم تتغير وحدها فهي فكرة غير منطقية، بل ومثالية.
* كنت دائماً ضد الحزب السياسي القائم علي الدين، فلماذا تري الفكرة مثالية؟
ـ لأن الإخوان لن يتخلوا عن السياسة بهذه البساطة وأنا لست ضد حزب للإخوان المسلمين، لكنني ضد استخدام السياسة فيه، فمن الممكن أن يكون هناك فريق يعمل بالدعوة فقط وفريق آخر يمارس السياسة عن طريق حزب مدني يقبل كل المصريين..
فلو قرأت برنامج حزب الإخوان المسلمين في ٢٠٠٥ سيهيأ لك أنه متاح للجميع ولكن وقت الالتحاق سيطلبون منك ارتداء الحجاب وسيتابعونني في مسألة أداء الفرائض قبل أن يقبلوا عضويتي في الحزب،
ولن يقبلوا الأقباط، لذا أنا أدعوهم إلي حزب مدني يقبل جميع المصريين علي طريقة حزب «العدالة والتنمية» في تركيا أو حتي في أحزاب الإسلاميين في المغرب، صحيح الأغلبية فيها من المتدينين لكنها مفتوحة للجميع.
* هل الجماعة أهملت بالفعل الجانب التربوي؟
- نعم أهملت هذا الجانب، ولكنه لم يختف، هو تراجع لصالح الوزن السياسي.
---------------------------------------------------
ضياء رشوان: كلام القرضاوي عن الاختراق الشيعي مُبالغ فيه
ولا يتسق مع التحولات التاريخية
--------------------------------------------------
* ضياء رشوان المحلل السياسي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بدأ تعليقه علي حديث القرضاوي قائلاً:
أنا أتفهم آراء الشيخ القرضاوي باعتبار وجوده في قطر، فالوجود الشيعي في دول الخليج، خاصة في الإمارات والبحرين وقطر، أكبر منه في باقي الوطن العربي، وإحساس السُنة هناك بمسألة المذهب الشيعي واختراقه لهم يكون أكثر من إحساس المصريين بها علي سبيل المثال،
وربما ذلك لوجود أقلية شيعية نشطة ومؤثرة في الاقتصاد في هذه الدول الخليجية، بل تمتد بجذورها إلي إيران، وبالطبع الشيخ القرضاوي غير منفصل عن طبيعة المكان الذي يعيش فيه، ومن هنا جاءت هذه التصريحات.
ويضاف إلي ذلك وجود إيران كدولة إسلامية كبري تقع علي حدود الخليج العربي، في ظل حالة الصراع التي نشبت علي المنطقة الأكثر قرباً منها، علي مصر والبلاد العربية.
* لماذا الآن الجهر بالفروق بين المذهبين السُني والشيعي والتحدث عن اختراق للسُنة؟
- الشيخ القرضاوي تحدث عن الفروق بين السُنة والشيعة من قبل أكثر من مرة، كان أبرزها في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية في الدوحة الذي حضره عدد من أئمة الشيعة، ودار حوار بينهما ورد علماء الشيعة علي القرضاوي في نفس المؤتمر.
* ولكنها المرة الأولي التي يؤكد فيها القرضاوي علي الفروق بهذه الحدة، بل وصل الأمر إلي أنه قال بتبشير شيعي، وإن كان حتي ذكرها من قبل فلماذا هذا الاستنفار الإيراني الشيعي الآن ضد كلام القرضاوي؟
- ربما للحدة التي أكد فيها القرضاوي علي هذه المعاني وعلي الفروق، وبالطبع إدراكهم حكم القرضاوي هو أكثر ما يخيفهم من كلامه، وربما لأنه في مؤتمر الدوحة كان هناك علماء من الشيعة من بين حضور المؤتمر فردوا عليه، أما الآن فاعتبروا الأمر وتعاملوا معه علي أنه تحريض من قبل القرضاوي ضد الشيعة.
* وهل تعتقد أنه بالفعل كان يقصد التحريض؟
- لا.. وإنما هو تعامل كأحد أهم أئمة المسلمين السُنة الذي يخشي علي مذهبه ويحافظ عليه، وهذا حقه.
* وهل تعتقد أن تحذيره من المد الشيعي في محله؟
- لا أعتقد.. ومن يقل هذا يجهل بحقيقة التحولات التاريخية، فالتاريخ لم يذكر أبداً أن أمماً أو دولاً تحولت من مذهب إلي آخر بين يوم وليلة، أو نتيجة دعوة بعض الأفراد حتي النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) نفسه لم يستطع نشر الدين الإسلامي بين يوم وليلة، واستغرق الأمر قروناً طويلة،
وإذا كانت هناك أقلية شيعية في بعض الدول أو حتي في مصر فهذا لا يعني أن مصر يمكن أن تتخلي عن مذهبها السُني طوال العقود الماضية لتتحول إلي الشيعة، مصر لم تتحول من المذهب الشيعي الفاطمي إلي المذهب السُني إلا بعد تحولات في قلب الدولة المصرية وانتقال الحكم إلي الأيوبيين.
* ما رأيك في القول بأن الشيعة، وخاصة في إيران، يتبعون خطوات أمريكا ويضعون أرجلهم في المكان نفسه والدليل وجودهم في أفغانستان والعراق؟
ـ ولماذا لم نجد فتنة سنية شيعية في أفغانستان كما تقولين.. أفغانستان مر عليها أمريكان وسوفييت و«طالبان» وأقليات شيعية ولم نسمع عن صراع مذهبي هناك.. أما الصراع الموجود في العراق فليس بسبب أمريكا، ومن يقل ذلك مخطئ، فالأمريكان كان من مصلحتهم تماسك العراق ولم تكن واشنطن بحاجة إلي إضافة عبء جديد عليها، ولم تكن أمريكا مدركة حقيقة الوضع.
* ومن صنع هذه الفتنة إذن؟
ـ إسرائيل مازال الأمر متعلقاً بها، والدليل أنه في عام ١٩٨١ كان يوجد ما يسمي استراتيجية إسرائيل، وقد تم ترجمة النص وتسريبه، وذكر فيه أن من مصلحة الدولة العبرية تفكيك الكيانات العربية علي أساس مذهبي وعرقي، ولا تنسي أن أول من تحدث عن الهلال الشيعي وحذر من خطره هو الملك عبدالله بن الحسين الذي كان والده صديقا مقربا للإسرائيليين، حسبما أكدت مذكرات وكتابات لمسؤولين إسرائيليين والكل يعلم أيضا أن الأردن وإسرائيل علي خط واحد.
ثم أننا لو عدنا إلي الوقائع التي صنعت الأزمة في العراق سنجدها تعود إلي تفجير مرقدي الهادي والعسكري في سامراء، وهما مرقدان شيعيان، وبالتالي ليس من مصلحة إيران ضربهما،
ورغم اتهام «القاعدة» بالضلوع في هذين التفجيرين، إلا أنها نفت ثلاث مرات اشتراكها في هذا الأمر، لذا فالاتهام محصور في إسرائيل التي من مصلحتها إيقاع السنة في الشيعة، خاصة أن هناك وجوداً مؤثراً لإسرائيل في العراق، بل الإسرائيليون هناك يدربون بعض الأكراد علي الحدود،
كما ذكرت بعض التقارير الموثقة، خاصة أن إسرائيل تعتبر حزب الله، شيعي المذهب أخطر أعدائها في دول المواجهة، ومن ثم من صميم مصلحتها عزله عن التأييد الشعبي الواسع الذي يتمتع به في العالم العربي، ذي الأغلبية السنية باصطناع فتنة مذهبية سنية شيعية تبدأ من العراق.
وإن كنت قلت إن الأمريكان لم يصطنعوا هذه الفتنة، لكنهم علي الجانب الآخر استفادوا منها في عزل إيران عن المحيط العربي السني المجاور.
* ما رأيك في القول بأن أساس الصراع مع الشيعة هو صراع ديني وأن ولاية الفقيه لن تكون إلا دينية، ونظام الدولة بالكامل في خدمة المشروع الديني، خاصة أن إيران تعيش علي أمل ظهور المهدي المنتظر.. وبالتالي الصراع هنا ديني كما هو في مضمون حديث القرضاوي؟
- كل دول الخليج مرعوبة من مسألة الحرب ضد إيران خاصة بعدما تأكدوا من عدم قدرة أمريكا علي حسم الحروب رغم أن الخليجيين كانوا أكثر من يؤمنون بقوة أمريكا اللامحدودة، ولكنهم اكتشفوا أن أمريكا عاجزة عن حسم حرب مع ٢٥ مليون نسمة في العراق،
فكيف لها أن تخوض حرباً مع ٧٥ مليون نسمة في إيران، وهم موقنون تماماً أن أي حرب مع إيران سيدفع ثمنها المباشر الخليجيون في الخارج من ناحية لقربهم من إيران، وفي الداخل من ناحية أخري لوجود أقليات شيعية ضخمة ومؤثرة في السعودية والإمارات والبحرين كفيلة بتفجير البلد من الداخل، حيث إن المنطقة الشرقية في السعودية بها حوالي ٣ ملايين شيعي، وبالتالي علي من يخدّم القرضاوي وضد من!
* وبالنسبة لما ذكره القرضاوي عن الإخوان، هل تعتقد أنه محق في أن جماعة الإخوان المسلمين أهملت التربية وانشغلت بالسياسة؟
- من الصعب أن نحكم علي تاريخ جماعة عمرها ٨٠ سنة، ولديها تراكم من الخبرات بهذه البساطة، فالعمل السياسي داخل الجماعة جزء لا يتجزأ من طبيعتها ثم إنني كمحلل سياسي عندما أتابع تطورهم السياسي أجده في ازدياد، فهناك اختلاف وتطور في أماكن وعدد التصويت لهم، والنسب في ازدياد كما أنهم استطاعوا كسب مناطق جديدة، في الصعيد والإسكندرية ولا يمكن لهم أن يحصلوا علي هذا التصويت إلا نتيجة لعملهم الاجتماعي.
----------------------------------
نشرت هذه الحوارات في المصري اليوم بتاريخ 25/9/2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=179815&IssueID=1174
-----------------------------------------------
أجرت الحوارات رانيا بدوي ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨
-----------------------------------------------

«العرب وإيران.. إلي أين؟».. سؤال تاريخي يتردد أحيانًا بقوة، وأحيانًا يخفت، والبداية منذ ما قيل عن تشيع إيران نكاية في العرب السُنة، الذين استأثروا بقيادة الدولة الإسلامية منذ نشأتها، دون إعطاء الفرصة لسكان فارس الأكثر علمًا وثقافة - حسب اعتقادهم - والذين استعان بهم العرب في الدولة الإسلامية ليكونوا وزراء يديرون شؤون الدولة، دون أن ينالوا نصيبهم من التربع علي العرش.
في العقود الأخيرة، أخذ المد والجذب بين السُنة والشيعة، والعرب وإيران، أشكالاً مختلفة، في العراق ولبنان وأفغانستان وفلسطين.. في حرب الخليج الأولي، والموقف العربي المؤازر لصدام حسين..
وردّت إيران بمحاولة استمالة سوريا والتحكم في جزء من لبنان، ووصولها إلي الحدود مع فلسطين..البعض يري ذلك رغبة إيرانية في أن يكون العالم العربي مدًا حيويا لها، خاصة بعدما اتخذت من القضية الفلسطينية موضوعًا مركزيا للوصول إلي وجدان الشارع العربي.
وجاءت أحداث ١١ سبتمبر، واعتبار أمريكا أن الإسلام السُني هو الإرهاب، وهو الهدف الرئيسي لها، وقيامها بضرب «طالبان» في أفغانستان، وإسقاط صدام حسين في العراق، لتكون - بحسب محللين - في صالح إيران، التي اعتبرت نفسها تخلصت من هذا الحصار.
ويعتمد بعض المحللين علي هذين الحدثين في التاريخ كبداية مد شيعي حقيقي، وأكثر حرية في التصرف، مخترقًا الحدود السُنية.
أما الحوار الأخير للشيخ يوسف القرضاوي مع «المصري اليوم» فقد أعاد طرح السؤال مجدداً وبقوة، خاصة مع الرد الإيراني والهجوم الشديد علي آرائه.
وهنا خبراء ومحللون سياسيون يفسرون حقيقة الصراع بين السُنة والشيعة.
------------------------------------------------
محمد سليم العوا
لا يوجد مد شيعي..
وإنما إعجاب بنماذج الشيعة في إسقاط الشاه والمقاومة
------------------------------------------------
الدكتور محمد سليم العوا المفكر الإسلامي ورجل القانون كان أول من بادر بإبداء رأيه فيما قاله الشيخ القرضاوي، وأبدي اعتراضه علي تصريحاته مع الحفاظ والإقرار الدائم بما تجمعهما من صداقة، خاصة أن الدكتور العوا هو الأمين العام للاتحاد العالمي للمسلمين، الذي يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي.
* أبديت اعتراضك فور قراءتك الحوار الذي أجريناه مع الشيخ القرضاوي، فلماذا؟
- الشيعة مسلمون تماماً مثلنا يختلفون معنا في بعض الفروع كما تختلف المذاهب السنية مع بعضها البعض.. القول بأنهم يقولون إن في القرآن نقصاً غير صحيح فلا يوجد عالم شيعي يقول بذلك ومسألة أن هناك نشاطاً شيعياً في البلاد السنية تصور بأكثر من حجمها الطبيعي، لاسيما في مصر،
ولا يوجد تبشير بالشيعة كما لو أنه كان ديناً آخر، فهذه مجرد دعوة لمذهب يقوم بها بعض الأفراد المقتنعين بأن من واجبهم الدعوة إلي هذا المذهب، وأنا أعتقد أن الخوف غير مبرر ومصر ظلت ٢٠٩ أعوام شيعية تحت مظلة الحكم الفاطمي، وعندما خرج الفاطميون صباحاً عدنا سنة كما كنا في الليل،
فلا يوجد ما يسمي المد الشيعي أصلاً، إنما يوجد إعجاب بالنموذج الشيعي في إسقاط الشاه، ويوجد إعجاب بالنموذج الشيعي وحزب الله في مقاومة إسرائيل، وأنا نفسي معجب بهذه النماذج، وهذا لا يعني أنني شيعي أو أدعو إلي التشيع.
* هل أنت مع الرأي القائل بوجود أطماع لإيران في المنطقة؟
- هذا ما يريدونه في الغرب أن نخاف من إيران، فلا نتحد معها سياسياً، لأنهم يعرفون لو أن السنة اتحدوا مع الشيعة سياسياً لتغيرت موازين القوي في العالم كله، ولكن المقصود من الدول المهيمنة الكبري ألا يحدث أي تقارب بين إيران والدول السنية.. وأنا أعتقد أن لدي إيران من المشاكل ما يكفيها ولا أعتقد أن لها أطماعاً في المنطقة ولكنها دولة كبري ذات قوة محترمة،
وتري أنه يجب أن يكون لها في إقليمها صوت، ولا يجوز أن تكون دولة من الدرجة الثالثة ومن حقها ألا تأتي دولة مثل أمريكا أو إسرائيل وتنافسها في وجودها في الخليج، فهي جزء من الإقليم وليست مزروعة فيه.
* هذا معناه أنك مع حفاظها علي مصالحها في المنطقة؟
- طبعاً.. أليست مصر هي الأخري لها مصالح في المنطقة.. أليس لسوريا مصالح أيضاً، فلماذا نلوم إيران إذا كانت تحاول الحفاظ علي مصالحها مادمنا نحن لا نستطيع الحفاظ علي مصالحنا، أنا أقر وأبصم بالعشرة بوجود مشروع إيراني سياسي واقتصادي وثقافي في المنطقة، ولكن السؤال المهم: أين المشروع السني؟ أين المشروع المصري وأين المشروع السعودي؟ أين المشروع القديم وهو حلف القاهرة دمشق الحجاز؟ أين هذا المحور؟ مات! فلماذا تريدون موت المحور الشيعي.
* كيف تري الصراع السعودي الإيراني؟
- خطأ كبيراً وضد المصلحة الإسلامية العليا، فالمصلحة الإسلامية العليا تتمثل في التكاتف المصري السوري السعودي الإيراني التركي، إذا استطاعت هذه الدول الخمس أن تصنع فيما بينها تكاتفاً وتنسيقاً في المواقف السياسية والاقتصادية لتغيرت خريطة العالم، وإذا قصرنا فالمقصر سيسأل يوم القيامة.
* هل تؤيد القرضاوي الرأي أم تخالفه في ضرورة عودة الإخوان للعمل التربوي والكف عن العمل السياسي؟
ـ مشكلة الإخوان المسلمين الحقيقية هي في إخفاقهم السياسي، وهم لا يستطيعون في رأيي تقويم الدول، وهذا ليس من العقل في شيء.. وأنا قلت لهم كثيراً اشتغلوا بالتربية، وبما كان يعمل به حسن البنا، وقد وجدت أن الأستاذ عادل كمال وهو من الرعيل الأول في الإخوان أرسل للمرشد العام رسالة بنفس المعني ونشرت في الصحف،
وعلي ما يبدو أن هناك فريقاً داخل الإخوان المسلمين بدأوا يقتنعون بضرورة ترك الإخوان للسياسة والعودة إلي العمل الاجتماعي والتربوي، فنحن لدينا مشكلة أن المواطن العربي المسلم فقد كثيراً من قيمه وأخلاقياته، ونحن نريد من يعمل علي إعادتها.
* هل تخشي علي الإخوان إذا ما عملوا بالسياسة أم تخشي منهم؟
ـ هدف أي فرد أو جماعة من عمل حزب أن ينافس علي الحكم وهذا حقه وأنا مع أي إنسان يريد عمل حزب، حتي لو كان شخصاً واحداً، ولكن جميع القيود الموضوعة في قانون الأحزاب هي قيود تمنع العمل السياسي ولا تتيحه،
وهي خطيئة فقد ينبت العمل السياسي الحر زعامات وقيادات سياسية من الإخوان أو من غيرهم أفضل من الموجودة الآن، فلماذا نحرم الأمة؟ في الغرب نجد زعامات شابة تتولي أمور الدولة خمس أو سبع سنوات وتأتي بنتائج مبهرة، ثم يأتي غيرها وهكذا.. وهذا بالطبع من تأثير الديمقراطية وحرية العمل السياسي.
* ما نصيحتك لجماعة الإخوان في ضوء الظروف السياسية والأمنية التي يمرون بها؟
ـ أنا أقول لجماعة ضخمة وكثيرة العدد مثل الإخوان المسلمين إذا كانت السياسة ستعيقكم عن العمل ونشاطكم الاجتماعي والتربوي فلتتركوها، واعملوا بالتربية، فما الذي نستفيده من ضرب الإخوان في الانتخابات أو اعتقالهم أو حظر نشاطهم، لكنني سأستفيد منهم في الشارع وفي التربية.
---------------------------------------------------
منصور حسن وزير الثقافة والإعلام الأسبق:
لا يوجد صراع بين العرب وإيران..
وفتور العلاقات وراءه أمريكا وإسرائيل
---------------------------------------------------
منصور حسن، وزير الثقافة والإعلام الأسبق، قامة سياسية وثقافية في مصر، ترصد الأحداث المصرية والعربية والعالمية في صمت تحللها وتضع خطوطاً تحت بعضها مؤيدة أو معترضة أو مبررة، إلا أنها من النادر أن تجهر برأيها إلا علي فترات طويلة.. كان لـ«المصري اليوم»،
وافر الحظ بإقناعه بالظهور علي صفحاتها للرد علي حقيقة الصراع بين العرب وإيران، لما لها من رؤية معتدلة ومختلفة وبما لها في قلوب وعقول الناس من محبة ومصداقية، لذا كان وجوده ضمن هذا الملف إثراءً وإضافة له.. سواء اتفقنا معه أو اختلفنا:
* ما هي حقيقة الصراع بين العرب وإيران؟ وهل تراه في الأصل دينياً؟
- العلاقات العربية الإيرانية خيم عليها في الآونة الأخيرة ما يمكن أن نسميه نوعاً من الفتور، وليس صراعاً بالمعني المفهوم، لأنني أعتقد أنه ليس هناك في حقيقة الأمر أي مجال لصراع ديني أو حتي سياسي مع إيران، فمن الناحية الدينية لا أستطيع أن أخوض في الفروق بين المذهبين السُني والشيعي،
ولكني أثق أن ما بينهما من اتفاق علي أساسيات الدين الإسلامي هو أقوي وأكبر، وهو ما يمكن أن نتمسك به حرصاً علي تماسك الأمة، لذا اندهشت من تصريحات الدكتور يوسف القرضاوي لأنني أعلم أنه عالم إسلامي جليل ومعتدل ومن أكثر المؤمنين بالتقارب بين المذاهب،
أما من الناحية السياسية فلا يوجد أي مجال للخلاف أو الصراع بين العرب وإيران، ولكن ما يخيم علي العرب من فتور كما قلت هو بفعل أمريكا وبإيعاز من إسرائيل التي تري خطورة إيران عليها في المنطقة، ومن هنا تحاول أمريكا عزل إيران وحصارها بإفساد العلاقة بينها وبين جيرانها.
* هل هذا الحصار لحماية إسرائيل أم بسبب الدور الإيراني في العراق؟!
- لا أؤمن بذلك، فالحدة التي تتعامل بها أمريكا مع إيران ليست بسبب العراق، إنما السبب الحقيقي هو خوف إسرائيل من إيران التي تري خطورتها الشديدة عليها، ونتيجة تحيز أمريكا لإسرائيل لذا تحاول أن تكتل أكبر دول عربية في المنطقة ضد إيران،
وما يحدث في العراق هو نتيجة وليس سبباً، بل أصبح من المعروف الآن حتي في الولايات المتحدة الأمريكية أن العدوان الأمريكي علي العراق واستمرار الاحتلال، كان نتيجة لخطة وضعتها المجموعة الصهيونية في البنتاجون الأمريكي بقيادة وولفويتز لحماية إسرائيل والحرص علي مصالحتها.
* قلت ولا حتي صراع سياسي.. إذن ما ردك علي من يقول بوجود مشروع إيراني في المنطقة، وأطماع سياسية تعمل علي تحقيقها؟
- هل حاورنا إيران عن هذه الأطماع؟! إن وجدت حقيقة، هل بذلت أي من الدول العربية الجهد الكافي تجاه سؤال إيران والجلوس معها للتفاهم حول هذه النوايا وهذه الأطماع لإنهائها أو تلاشيها أو تقريب وجهات النظر! بالطبع هذا لم يحدث فنحن سرنا خلف من يقول بهذه الفكرة دون أي مجهود يذكر.
* ولكن إيران تتحالف بقوة مع سوريا ويقال إنها تمد حزب الله في لبنان والشيعة في العراق بالسلاح، فإذا لم يكن لها أطماع لماذا يصل الأمر إلي حد الدعم بالسلاح؟
- أؤكد مرة ثانية أن ما يحدث هو نتيجة وليس سبباً، فلو أن إيران كانت تطمئن للعالم العربي من حولها، ومتأكدة من أنه مسالم بشأنها لما كانت تحاول أن تخترقه وتمد جسورها إلي مواقع تقبل بها، حماية لمصالحها ضد إسرائيل.
ثم إن الذي يدعو إيران لكي تمد جسورها إلي سوريا وحزب الله و«حماس» هو في رأيي محاولة كسر الحصار الذي تحاول أمريكا فرضه عليها وليس لمصالح سياسية في المنطقة،
ولا تنسي أن هذه الأطراف الثلاثة أيضاً هي نفسها الأكثر عداء لأمريكا، وبالتالي تجد ملاذا في اللجوء إلي إيران، وهنا أؤكد أن استقواء العرب بأمريكا ضد إيران خطأ، لأنه من غير الحكمة أن تستقوي علي جارك بالغريب، لأن الغريب قد يهب لنجدتك مرة أو مرتين، أما الجار سيظل جارك أبد الدهر.
* وماذا عن احتلال إيران للجزر الإماراتية؟
ـ لاشك أن للإمارات مطالب حقيقية، وأعتقد أنه لو لم تكن العلاقات العربية - الإيرانية تمر بما تمر به الآن من توجس متبادل لكان من الممكن أن يحل هذا الإشكال بالتفاوض.
* وهل تعتقد أن باقي الدول العربية مؤمنة بفكرة الصراع سواء الديني أو السياسي مع إيران، كما هو إيمان الدول حلفاء أمريكا أو كما يتم تسميتها الدول المعتدلة؟
ـ لا.. بدليل أننا لم نسمع عن أي صراع أو حتي برود بين هذه الدول وإيران، وهو ما يؤكد أن أمريكا استغلت حلفاءها في المنطقة للترويج لهذا العداء، خاصة لقرب هذه الدول جغرافيا من إيران بعكس باقي دول الوطن العربي.
* ربما نتفهم انسياق دول الخليج خلف ادعاءات أمريكا نظرًا لقربها الحقيقي من إيران، ولكن بماذا تفسر موقف مصر من إيران وهي أبعد جغرافيا وغير متضررة بشكل مباشر لو افترضنا وجود صراع ؟
ـ لا تعليق!! وأحيلك إلي ما قلته سابقًا.
* هل تظن بالفعل أن شارعاً باسم الإسلامبولي أو فيلم «مقتل فرعون» أسباب حقيقية للصراع بين مصر وإيران؟
ـ أولاً إيران أعلنت أكثر من مرة عدم مسؤوليتها عن الفيلم، أما اسم الشارع فلاشك أنه سقطة سياسية من طهران، بل ضد قيم الدين الإسلامي الذي تدين به إيران، أن يتم تمجيد اسم شخص قتل آخر بغير وجه حق، وكان علي إيران أن ترتفع عن هذا الموقف وتراعي مشاعر المواطنين المصريين حرصاً علي إقامة علاقات سليمة في المستقبل، ولكن هذا لا يجب أن يكون سبباً للصراع.
* وماذا عن القول بوجود عداء شديد بين السعودية زعيمة السنة وإيران زعيمة الشيعة؟
ـ المتابع لحركة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران خلال العامين الماضيين يجد أن كلا الطرفين يجاهد علي ألا يبقي الوضع متأزما، وألا تتسع شقة الخلاف بينهما، وهذا ليس من شيم المتصارعين بحق، وهو أكبر دليل علي إيمانهم بأن هذا الوضع ضد طبيعة الأمور.
* عودة إلي الشق الديني.. هل تعتقد أن عدد الشيعة في الدول السنية قد زاد؟
ـ لا أعرف من الناحية الإحصائية هل العدد في تزايد أم تناقص، ولكن هذا الموضوع لا يثير اهتمامي علي الإطلاق ولا أخشي من انتشار أي مذهب من المذاهب الإسلامية، وأري أنه مثل أي مذهب إسلامي وآخر حنفي أو حنبلي، وزيادة أنصار مذهب علي الآخر ليس فيها انتقاص للإسلام بأي صورة من الصور، ولكنني من أشد المتحمسين بلاشك للتقريب بين المذاهب.
وختاماً علينا أن نراعي أن السلام والاستقرار الحقيقي في المنطقة يقتضي أن تكون العلاقات بين الدول العربية - وبالذات مصر - مع إيران وتركيا علاقات تعاون وتفاهم.
--------------------------------------------------
محمد حبيب النائب الأول لمرشد «الإخوان»:
أسأل القرضاوي.. أيهما أولي بالتحذير:
الخطر الإيراني.. أم الخطر الصهيوني؟
--------------------------------------------------
* محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين، علّق علي نصيحة الشيخ القرضاوي للجماعة بالتخلي عن العمل السياسي لصالح العمل التربوي؟
بقوله: ـ جماعة الإخوان المسلمين لها ثلاث وظائف الأولي تربوية تهتم بإعداد الصف والكوادر، لتكون مؤهلة للدعوة لشمولية الإسلام ولتبليغ الرسالة بوحدة الصف والتمسك بالأخلاق والترابط والاتصال الدائم مع اللّه..
والوظيفة الثانية خاصة بالدعوة، وفيها كيف يتحرك الصف للارتقاء بالمجتمع فكريا وأخلاقيا وإيمانيا وتغليب القيم والمصلحة العامة علي الخاصة.. أما الوظيفة الثالثة فهي سياسية،
حيث نحاول أن نصلح المؤسسات والأجهزة الإدارية للدولة من خلال القنوات الدستورية والشرعية بأن نصل إلي مجلس الشعب ونخوض انتخابات الشوري والمحليات واتحادات الطلاب والنقابات والهدف الرئيسي هو محاربة الفساد المستشري في جميع أجهزة الدولة..
والتصدي لاستبداد النظام الذي أدي إلي غلاء الأسعار وأزمات الخبز والبطالة والتعليم وغيرها.. ولو أن الفساد نسبته ١٠٠% واستطعنا أن نصل به إلي ٧٠% فهذا مكسب كبير.
* ولكن بعد دخول الإخوان المجلس لم يشهد المجتمع فسادًا أقل بل شهد ما هو أكثر؟
ـ نسبة الفساد كان من الممكن أن تكون أكبر لو أن الإخوان ليسوا في المجلس، فإذا ما أحضرت قالب زبدة وحاولت تمرير السكين فيه سينقطع سريعًا، أما إذا وضعت مسامير في داخله فلن تستطيعي القطع.. والإخوان هم المسامير التي تعوق تمزيق البلد سريعًا من قبل النظام..
ثم أننا مازلنا نضع الأساس الذي سنبني عليه.. أما مسألة تحقيق النتائج فهي أمر يتعلق بمشيئة المولي عز وجل، نحن نقوم بواجبنا تجاه اللّه والوطن.
* هذا يعني رفض نصيحة القرضاوي بالتخلي عن السياسة؟
ـ لن نتخلي عن السياسة رغم احترامنا للشيخ القرضاوي، والأمر بالنسبة إلينا لا يتجزأ.
* هل فعلاً انشغلتم بالسياسة وأهملتم الجانب التربوي؟
ـ هذا كلام غير صحيح، لم نهمل أمرًا ونسير في الأهداف الثلاثة بالتوازي والتساوي.
* ألا تعتقد أن الخسائر في صفوف الإخوان أصبحت فادحة وتتطلب إعادة ترتيب الأولويات؟
ـ الإخوان تم ضربهم ضربات قاصمة في أعوام ١٩٤٩ و١٩٥٤ و١٩٦٥ ولو أن جماعة أخري تعرضت لما تعرضنا له ما احتملت، وكان انتهي أمرها من زمن، ثم أن الحرية لا توهب، والديمقراطية لا تمنح وكلتاهما لها ثمن علي الإخوان دفعه، وعلي الشعب المصري كله أن يدفعه،
فلا توجد سلطة حاكمة تتنازل طواعية عن الحكم.. لننتظر أن يتغير الواقع من نفسه فالواقع لا يتغير إلا إذا قرر الرأي العام تغييره، ونحن نعمل علي تحفيز وتوعية الرأي العام.
* هل لديك تعليق علي ما قاله الشيخ القرضاوي بشأن خطر المد الشيعي؟
ـ أنا شديد الاندهاش من تصريحات شيخنا وأسأله أيهما كان أولي بالتحذير المد الشيعي والخطر الإيراني أم الخطر الصهيوني.. هناك يا دكتور قرضاوي أولويات في الاهتمام والتحذير.. الصراع مع إيران صراع سياسي، والصراع الديني فيه يأتي في المرتبة الثانية.
----------------------------------------------
عمرو الشوبكي:
إيران اعتقدت أن القرضاوي يعبئ السُنة ضدها
لتسهيل الضربة الأمريكية
----------------------------------------------
الدكتور عمرو الشوبكي المفكر والمحلل السياسي، كانت له قراءة مختلفة لتصريحات الشيخ القرضاوي ظهرت عندما سألته: هل لديك قراءة تحليلية لتصريحات الشيخ القرضاوي وحديثه عن خطورة المد الشيعي ووجوب التصدي له؟
فأجاب: إنتاج الشيخ القرضاوي من الفقه والدين يفوق إنتاجه السياسي وأهميته الحقيقية هي أهمية دينية وليست سياسية، لذا من الصعب أن نقول إن تصريحاته كانت تحمل معني سياسيا،
فأنا أعتقد أنها تصريحات تعود لكونه زعيمًا سُنيا يستشعر خطورة ما علي مذهبه لذا قال ما قال.. ولكنه أغفل أمرًا مهمًا عندما تحدث عن مد واختراق شيعي للسُنة، وأنا لا يمكن لي أن أعتبر هذا الاختراق الذي تحدث عنه القرضاوي أنه منظم ومدروس ومخطط من قبل إيران، إنما هو اختراق نابع في الأصل من ضعف جميع المؤسسات السُنية في العالم العربي،
والشيخ القرضاوي يعلم جيدًا بل عاني كثيرًا من فكرة استبعاد العلماء الأقوياء أمثاله وأمثال الشيخ الغزالي رحمة اللّه عليه من تقلد رئاسة الأزهر، رغم أنه في الواقع أحق من كثيرين، هذا الواقع الضعيف والمهين للسُنة جعل الساحة السُنية مخترقة وأصبح الوزن الفقهي والفكري للشيعة أكبر من نظرائهم السُنة،
وأصبح هناك بريق للسيد حسن نصر اللّه وهذا غير موجود في المؤسسات السُنية، لكل هذا أنا أري أنه قد حدث اختراق شيعي للسُنة بالفعل ولكنه بسبب غياب مصداقية علماء السُنة لدي جموع المسلمين والشيخ القرضاوي رأي المسألة من زاوية واحدة.
* إذا كان القرضاوي يقصد المعني الديني فقط.. فبماذا تفسر هذا الاستنفار القوي لدي إيران من هذه التصريحات؟
- رد إيران علي القرضاوي رد مسف ومسيء ويخصم من رصيدها، ولكن من طبيعة هذا الرد يتأتي علي الذهن مباشرة أن القائمين علي وكالة الأنباء هذه التي تبنت الرد ونشرته، والتي يقال إنها وكالة رسمية هم جماعة المحافظين، وهو التيار الذي يتبناه أحمدي نجاد، بل موجود في عدد كبير من مؤسسات الدولة، وليس خافياً أن الرئيس السابق محمد خاتمي نفسه قال من قبل إن سياسات أحمدي نجاد تخدم أعداء إيران.
* هل تعتقد أن وجود الشيخ القرضاوي في قطر كان له أثر في التفسير السياسي لتصريحاته.. وطبعاً أقصد احتضان قطر للقاعدة المركزية للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط؟
- اعتقد أن هذا التفسير هو الذي ورد علي ذهن إيران، وربما تخيلت أن القرضاوي قصد تعبئة السنة ضد الإيرانيين في محاولة لتسهيل ضربهم من قبل الأمريكان، وأنه ربما علي العرب مساعدة الأمريكيين في هذه الضربة، ولكنني أعتقد أنها قراءة خاطئة ولا أظن أن القرضاوي كان يقصد هذا علي الإطلاق خاصة أنه أكد فيما بعد أنه يرفض أي اعتداء علي إيران من قبل أي جهة أجنبية.
* وكان من الطبيعي أن أنتقل مع الدكتور عمرو الشوبكي من أمر إيران إلي أمر الإخوان المسلمين في مصر، انطلاقاً من النصيحة التي وجهها الشيخ القرضاوي لهم بضرورة العودة إلي العمل التربوي وبعد أن قال نصاً إنه يعتب عليهم لاهتمامهم بالسياسة علي حساب الجانب التربوي، وسألت الدكتور الشوبكي إذا كان يتفق مع نفس وجهة النظر هذه أم لا؟
ـ فقال: هي نصيحة منزوعة السياسة من الشيخ القرضاوي، فمسألة السياسة بالنسبة للإخوان المسلمين أصبحت هيكلية الآن، رغم أن بداية الجماعة التي أسسها حسن البنا قامت في الأساس علي جانب التربية والدعوة، إلا أن الأمر اختلف وعموما لا يمكن لأحد أن يحظر علي أحد العمل السياسي.
* لكن القرضاوي لم يحظر عليهم السياسة.. وهو ليس ضد فكرة تكوينهم لحزب، غير أنه برؤيته للأوضاع وجد أن الإخوان انشغلوا بالسياسة في دولة الممارسة السياسية فيها صعبة وهو ما أدي إلي صراع دائم مع الإخوان جعلهم منشغلين بهذا الصراع علي حساب تربية الأمة التي يراها أولي من أجل تصحيح قيم المجتمع التي فسدت نتيجة أنظمة الحكم المتعاقبة؟
ـ عمل الإخوان بالتربية لم يؤت الثمار المرجوة فقد عملوا بالتربية والدعوة حتي عام ١٩٥٢ فلا وصلوا للسلطة ولا أصلحوا المجتمع.. فما الذي جد علي الأمة، لكن أن يترك الإخوان العمل السياسي بدعوي أن النظم تتغير وحدها فهي فكرة غير منطقية، بل ومثالية.
* كنت دائماً ضد الحزب السياسي القائم علي الدين، فلماذا تري الفكرة مثالية؟
ـ لأن الإخوان لن يتخلوا عن السياسة بهذه البساطة وأنا لست ضد حزب للإخوان المسلمين، لكنني ضد استخدام السياسة فيه، فمن الممكن أن يكون هناك فريق يعمل بالدعوة فقط وفريق آخر يمارس السياسة عن طريق حزب مدني يقبل كل المصريين..
فلو قرأت برنامج حزب الإخوان المسلمين في ٢٠٠٥ سيهيأ لك أنه متاح للجميع ولكن وقت الالتحاق سيطلبون منك ارتداء الحجاب وسيتابعونني في مسألة أداء الفرائض قبل أن يقبلوا عضويتي في الحزب،
ولن يقبلوا الأقباط، لذا أنا أدعوهم إلي حزب مدني يقبل جميع المصريين علي طريقة حزب «العدالة والتنمية» في تركيا أو حتي في أحزاب الإسلاميين في المغرب، صحيح الأغلبية فيها من المتدينين لكنها مفتوحة للجميع.
* هل الجماعة أهملت بالفعل الجانب التربوي؟
- نعم أهملت هذا الجانب، ولكنه لم يختف، هو تراجع لصالح الوزن السياسي.
---------------------------------------------------
ضياء رشوان: كلام القرضاوي عن الاختراق الشيعي مُبالغ فيه
ولا يتسق مع التحولات التاريخية
--------------------------------------------------
* ضياء رشوان المحلل السياسي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بدأ تعليقه علي حديث القرضاوي قائلاً:
أنا أتفهم آراء الشيخ القرضاوي باعتبار وجوده في قطر، فالوجود الشيعي في دول الخليج، خاصة في الإمارات والبحرين وقطر، أكبر منه في باقي الوطن العربي، وإحساس السُنة هناك بمسألة المذهب الشيعي واختراقه لهم يكون أكثر من إحساس المصريين بها علي سبيل المثال،
وربما ذلك لوجود أقلية شيعية نشطة ومؤثرة في الاقتصاد في هذه الدول الخليجية، بل تمتد بجذورها إلي إيران، وبالطبع الشيخ القرضاوي غير منفصل عن طبيعة المكان الذي يعيش فيه، ومن هنا جاءت هذه التصريحات.
ويضاف إلي ذلك وجود إيران كدولة إسلامية كبري تقع علي حدود الخليج العربي، في ظل حالة الصراع التي نشبت علي المنطقة الأكثر قرباً منها، علي مصر والبلاد العربية.
* لماذا الآن الجهر بالفروق بين المذهبين السُني والشيعي والتحدث عن اختراق للسُنة؟
- الشيخ القرضاوي تحدث عن الفروق بين السُنة والشيعة من قبل أكثر من مرة، كان أبرزها في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية في الدوحة الذي حضره عدد من أئمة الشيعة، ودار حوار بينهما ورد علماء الشيعة علي القرضاوي في نفس المؤتمر.
* ولكنها المرة الأولي التي يؤكد فيها القرضاوي علي الفروق بهذه الحدة، بل وصل الأمر إلي أنه قال بتبشير شيعي، وإن كان حتي ذكرها من قبل فلماذا هذا الاستنفار الإيراني الشيعي الآن ضد كلام القرضاوي؟
- ربما للحدة التي أكد فيها القرضاوي علي هذه المعاني وعلي الفروق، وبالطبع إدراكهم حكم القرضاوي هو أكثر ما يخيفهم من كلامه، وربما لأنه في مؤتمر الدوحة كان هناك علماء من الشيعة من بين حضور المؤتمر فردوا عليه، أما الآن فاعتبروا الأمر وتعاملوا معه علي أنه تحريض من قبل القرضاوي ضد الشيعة.
* وهل تعتقد أنه بالفعل كان يقصد التحريض؟
- لا.. وإنما هو تعامل كأحد أهم أئمة المسلمين السُنة الذي يخشي علي مذهبه ويحافظ عليه، وهذا حقه.
* وهل تعتقد أن تحذيره من المد الشيعي في محله؟
- لا أعتقد.. ومن يقل هذا يجهل بحقيقة التحولات التاريخية، فالتاريخ لم يذكر أبداً أن أمماً أو دولاً تحولت من مذهب إلي آخر بين يوم وليلة، أو نتيجة دعوة بعض الأفراد حتي النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) نفسه لم يستطع نشر الدين الإسلامي بين يوم وليلة، واستغرق الأمر قروناً طويلة،
وإذا كانت هناك أقلية شيعية في بعض الدول أو حتي في مصر فهذا لا يعني أن مصر يمكن أن تتخلي عن مذهبها السُني طوال العقود الماضية لتتحول إلي الشيعة، مصر لم تتحول من المذهب الشيعي الفاطمي إلي المذهب السُني إلا بعد تحولات في قلب الدولة المصرية وانتقال الحكم إلي الأيوبيين.
* ما رأيك في القول بأن الشيعة، وخاصة في إيران، يتبعون خطوات أمريكا ويضعون أرجلهم في المكان نفسه والدليل وجودهم في أفغانستان والعراق؟
ـ ولماذا لم نجد فتنة سنية شيعية في أفغانستان كما تقولين.. أفغانستان مر عليها أمريكان وسوفييت و«طالبان» وأقليات شيعية ولم نسمع عن صراع مذهبي هناك.. أما الصراع الموجود في العراق فليس بسبب أمريكا، ومن يقل ذلك مخطئ، فالأمريكان كان من مصلحتهم تماسك العراق ولم تكن واشنطن بحاجة إلي إضافة عبء جديد عليها، ولم تكن أمريكا مدركة حقيقة الوضع.
* ومن صنع هذه الفتنة إذن؟
ـ إسرائيل مازال الأمر متعلقاً بها، والدليل أنه في عام ١٩٨١ كان يوجد ما يسمي استراتيجية إسرائيل، وقد تم ترجمة النص وتسريبه، وذكر فيه أن من مصلحة الدولة العبرية تفكيك الكيانات العربية علي أساس مذهبي وعرقي، ولا تنسي أن أول من تحدث عن الهلال الشيعي وحذر من خطره هو الملك عبدالله بن الحسين الذي كان والده صديقا مقربا للإسرائيليين، حسبما أكدت مذكرات وكتابات لمسؤولين إسرائيليين والكل يعلم أيضا أن الأردن وإسرائيل علي خط واحد.
ثم أننا لو عدنا إلي الوقائع التي صنعت الأزمة في العراق سنجدها تعود إلي تفجير مرقدي الهادي والعسكري في سامراء، وهما مرقدان شيعيان، وبالتالي ليس من مصلحة إيران ضربهما،
ورغم اتهام «القاعدة» بالضلوع في هذين التفجيرين، إلا أنها نفت ثلاث مرات اشتراكها في هذا الأمر، لذا فالاتهام محصور في إسرائيل التي من مصلحتها إيقاع السنة في الشيعة، خاصة أن هناك وجوداً مؤثراً لإسرائيل في العراق، بل الإسرائيليون هناك يدربون بعض الأكراد علي الحدود،
كما ذكرت بعض التقارير الموثقة، خاصة أن إسرائيل تعتبر حزب الله، شيعي المذهب أخطر أعدائها في دول المواجهة، ومن ثم من صميم مصلحتها عزله عن التأييد الشعبي الواسع الذي يتمتع به في العالم العربي، ذي الأغلبية السنية باصطناع فتنة مذهبية سنية شيعية تبدأ من العراق.
وإن كنت قلت إن الأمريكان لم يصطنعوا هذه الفتنة، لكنهم علي الجانب الآخر استفادوا منها في عزل إيران عن المحيط العربي السني المجاور.
* ما رأيك في القول بأن أساس الصراع مع الشيعة هو صراع ديني وأن ولاية الفقيه لن تكون إلا دينية، ونظام الدولة بالكامل في خدمة المشروع الديني، خاصة أن إيران تعيش علي أمل ظهور المهدي المنتظر.. وبالتالي الصراع هنا ديني كما هو في مضمون حديث القرضاوي؟
- كل دول الخليج مرعوبة من مسألة الحرب ضد إيران خاصة بعدما تأكدوا من عدم قدرة أمريكا علي حسم الحروب رغم أن الخليجيين كانوا أكثر من يؤمنون بقوة أمريكا اللامحدودة، ولكنهم اكتشفوا أن أمريكا عاجزة عن حسم حرب مع ٢٥ مليون نسمة في العراق،
فكيف لها أن تخوض حرباً مع ٧٥ مليون نسمة في إيران، وهم موقنون تماماً أن أي حرب مع إيران سيدفع ثمنها المباشر الخليجيون في الخارج من ناحية لقربهم من إيران، وفي الداخل من ناحية أخري لوجود أقليات شيعية ضخمة ومؤثرة في السعودية والإمارات والبحرين كفيلة بتفجير البلد من الداخل، حيث إن المنطقة الشرقية في السعودية بها حوالي ٣ ملايين شيعي، وبالتالي علي من يخدّم القرضاوي وضد من!
* وبالنسبة لما ذكره القرضاوي عن الإخوان، هل تعتقد أنه محق في أن جماعة الإخوان المسلمين أهملت التربية وانشغلت بالسياسة؟
- من الصعب أن نحكم علي تاريخ جماعة عمرها ٨٠ سنة، ولديها تراكم من الخبرات بهذه البساطة، فالعمل السياسي داخل الجماعة جزء لا يتجزأ من طبيعتها ثم إنني كمحلل سياسي عندما أتابع تطورهم السياسي أجده في ازدياد، فهناك اختلاف وتطور في أماكن وعدد التصويت لهم، والنسب في ازدياد كما أنهم استطاعوا كسب مناطق جديدة، في الصعيد والإسكندرية ولا يمكن لهم أن يحصلوا علي هذا التصويت إلا نتيجة لعملهم الاجتماعي.
----------------------------------
نشرت هذه الحوارات في المصري اليوم بتاريخ 25/9/2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=179815&IssueID=1174
د.يوسف القرضاوي (الرد)
الشيخ القرضاوي يتحدث مجددًا لـ «المصري اليوم»:
أخشي من فُرقة المسلمين.. لكن خشيتي أكبر من الحروب والفتن الكبري
--------------------------------------------------------
حوار رانيا بدوي ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨
---------------------------

جدد الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، تحذيره من «المد الشيعي» للمجتمعات السُنية، مؤكدًا أنه لا يسعي من خلال هذا التحذير إلي فُرقة المسلمين، لكنه يخشي ما هو أكبر وأهم من الفُرقة، وهو «الفتنة والحروب».
أرجع القرضاوي الجدل، الذي أحدثه حواره مع «المصري اليوم»، إلي مكانته في العالم السُني، وأن الذين شنوا عليه حملة اتهامات، يعرفون أنه ليس «وهّابيا مغاليا»، وإنما سُني معتدل.
وأشار، في حوار سريع، جري هاتفيا، حيث يقيم في العاصمة القطرية «الدوحة»، إلي أنه سبق أن ألمح بآرائه حول الشيعة في عدة مؤتمرات سابقة، لكن الأمانة فرضت عليه أن يتحدث هذه المرة بـ «حدة ووضوح»، وأن يبّصر الأمة بالمد الشيعي، لأن اللّه سيسأله إن تجاهل أمانته يوم القيامة.
وإلي الحوار:
* يا دكتور.. هل كنت تتوقع للحوار أن يثير كل هذا الجدل؟
ـ لا.. ولكنني أشكر المصري اليوم علي أي حال ولا تهمني الضجة ولا تهزني، لأنني قلت ما أملاه علي ضميري وديني ومسؤوليتي.
* لماذا الآن هذا الجدل.. وهل للتوقيت مغزي؟
ـ لقد ألمحت كثيرا للأمر من قبل في عدد من المؤتمرات، فلماذا الربط بأن تصريحاتي آنية؟!
* ولكن تصريحاتك هذه المرة كانت لهجتها حادة وانتقلت من فكرة الاختلاف بين المذهبين إلي الاتهام بوجود مد شيعي؟
ـ أنا معك في أنها بالفعل المرة الأولي التي أتحدث فيها في هذا الأمر بهذه الحدة وهذا الوضوح، ولكنها أمانتي، تفرض علي هذا، وقد استشرفت أن من واجبي أن أحذر من هذا المد، وأن أبصّر الأمة، لأن الله سيسألني عنها يوم القيامة.
* وما الذي تغير وجعلك تري ضرورة تبصير الأمة الآن؟
ـ لأنني لاحظت ازدياد المد الشيعي، بما للشيعة من إمكانات وبما هم عليه من تدريب وتثقيف، خاصة أن ساحة السنة خالية، وليس لديهم خلفية بهذا المذهب الشيعي.
* إذا كنت من قبل ألمحت لهذا الأمر فلماذا برأيك كل هذا الاستنفار ضد تصريحاتك والذي وصل لحد اتهامك بالتفوه بلهجة صهيونية؟
ـ الاستنفار مرده إلي كونهم يعلمون قيمتي الحقيقية، ويقدرون مكانتي في العالم السني، وهم يعرفون أنني لست وهابيا مغالياً، بل سني معتدل لذا فلحديثي تأثير أكبر وإلا لما خافوا هكذا.
* ما الذي جعلك تتخلي عن موقفك من التقريب بين المذاهب والتحول إلي التحذير من المد الشيعي واختراقه للسنة.. ألم تخش فرقة المسلمين؟
ـ بل خشيت مما هو أكبر وأهم من الفُرقة، وهو الفتنة والحروب.
* وهل التحذير من الشيعة يسد الفتنة.. البعض يري أنك فعلت العكس؟
ـ غير صحيح، فأيا كان حال ووضع الفتنة الآن فهي لا تذكر في مقابل ما يمكن أن يحدث في المستقبل من حروب وفتن كبري، لو أن الشيعة دخلوا جميع المجتمعات السنية.. فأنا أعمل علي سد الذريعة قبل أن يستفحل الأمر، لأنه لو تركنا الشيعة يخترقون المجتمعات الس
نية، فلن يكون الوضع محمودا، ووجودهم في العراق ولبنان أكبر دليل علي عدم الاستقرار.
--------------------
نشر في المصري اليوم بتاريخ 25/9/2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=179816&IssueID=1174
أخشي من فُرقة المسلمين.. لكن خشيتي أكبر من الحروب والفتن الكبري
--------------------------------------------------------
حوار رانيا بدوي ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨
---------------------------

جدد الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، تحذيره من «المد الشيعي» للمجتمعات السُنية، مؤكدًا أنه لا يسعي من خلال هذا التحذير إلي فُرقة المسلمين، لكنه يخشي ما هو أكبر وأهم من الفُرقة، وهو «الفتنة والحروب».
أرجع القرضاوي الجدل، الذي أحدثه حواره مع «المصري اليوم»، إلي مكانته في العالم السُني، وأن الذين شنوا عليه حملة اتهامات، يعرفون أنه ليس «وهّابيا مغاليا»، وإنما سُني معتدل.
وأشار، في حوار سريع، جري هاتفيا، حيث يقيم في العاصمة القطرية «الدوحة»، إلي أنه سبق أن ألمح بآرائه حول الشيعة في عدة مؤتمرات سابقة، لكن الأمانة فرضت عليه أن يتحدث هذه المرة بـ «حدة ووضوح»، وأن يبّصر الأمة بالمد الشيعي، لأن اللّه سيسأله إن تجاهل أمانته يوم القيامة.
وإلي الحوار:
* يا دكتور.. هل كنت تتوقع للحوار أن يثير كل هذا الجدل؟
ـ لا.. ولكنني أشكر المصري اليوم علي أي حال ولا تهمني الضجة ولا تهزني، لأنني قلت ما أملاه علي ضميري وديني ومسؤوليتي.
* لماذا الآن هذا الجدل.. وهل للتوقيت مغزي؟
ـ لقد ألمحت كثيرا للأمر من قبل في عدد من المؤتمرات، فلماذا الربط بأن تصريحاتي آنية؟!
* ولكن تصريحاتك هذه المرة كانت لهجتها حادة وانتقلت من فكرة الاختلاف بين المذهبين إلي الاتهام بوجود مد شيعي؟
ـ أنا معك في أنها بالفعل المرة الأولي التي أتحدث فيها في هذا الأمر بهذه الحدة وهذا الوضوح، ولكنها أمانتي، تفرض علي هذا، وقد استشرفت أن من واجبي أن أحذر من هذا المد، وأن أبصّر الأمة، لأن الله سيسألني عنها يوم القيامة.
* وما الذي تغير وجعلك تري ضرورة تبصير الأمة الآن؟
ـ لأنني لاحظت ازدياد المد الشيعي، بما للشيعة من إمكانات وبما هم عليه من تدريب وتثقيف، خاصة أن ساحة السنة خالية، وليس لديهم خلفية بهذا المذهب الشيعي.
* إذا كنت من قبل ألمحت لهذا الأمر فلماذا برأيك كل هذا الاستنفار ضد تصريحاتك والذي وصل لحد اتهامك بالتفوه بلهجة صهيونية؟
ـ الاستنفار مرده إلي كونهم يعلمون قيمتي الحقيقية، ويقدرون مكانتي في العالم السني، وهم يعرفون أنني لست وهابيا مغالياً، بل سني معتدل لذا فلحديثي تأثير أكبر وإلا لما خافوا هكذا.
* ما الذي جعلك تتخلي عن موقفك من التقريب بين المذاهب والتحول إلي التحذير من المد الشيعي واختراقه للسنة.. ألم تخش فرقة المسلمين؟
ـ بل خشيت مما هو أكبر وأهم من الفُرقة، وهو الفتنة والحروب.
* وهل التحذير من الشيعة يسد الفتنة.. البعض يري أنك فعلت العكس؟
ـ غير صحيح، فأيا كان حال ووضع الفتنة الآن فهي لا تذكر في مقابل ما يمكن أن يحدث في المستقبل من حروب وفتن كبري، لو أن الشيعة دخلوا جميع المجتمعات السنية.. فأنا أعمل علي سد الذريعة قبل أن يستفحل الأمر، لأنه لو تركنا الشيعة يخترقون المجتمعات الس
نية، فلن يكون الوضع محمودا، ووجودهم في العراق ولبنان أكبر دليل علي عدم الاستقرار.
--------------------
نشر في المصري اليوم بتاريخ 25/9/2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=179816&IssueID=1174
د.يوسـف القرضـاوي
الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ١ - ٢
قوانين الإرهاب والطوارئ مخالفة للشريعة
-------------------------------------
كتب رانيا بدوي ٨/ ٩/ ٢٠٠٨
-------------------------------------

الدين والدولة.. وفلسفة الحكم في الإسلام، قضية لم تحسم بعد فالمسلمون - منذ صدر الإسلام وحتي الآن، لم يختلفوا في العقيدة ولا العبادات، ولكن سياسة الدولة وطبيعة الحكم هي التي فجرت الصراعات وأدت إلي ظهور التيارات المختلفة، منها الشيعة والمعتزلة وغيرهما.
قضية طبيعة السلطة في الدول الإسلامية، شغلت العلماء كثيراً، اختلفوا عليها وحولها، ولكنها مازالت تطرح مع تزايد المد العلماني في بعض أنظمة الحكم، والفصل بين ما لقيصر وما لله، وتطرف بعض أنظمة الحكم الاسلامي.. وظهور شعارات دينية لا تري الحل إلا في دولة دينية.. أين نقف؟.. فلا الحكم العلماني أخرج العرب من ورطتهم ولا الديني صحح مسارهم..
لذا وجب السؤال من جديد: هل أوصي الإسلام بأن تكون السلطة علي المسلمين دينية، أم مدنية؟ أم أنه لم يحدد موقفاً ولم يوص بطبيعة محددة للسلطة. الثابت تاريخياً أن الإسلام لم يورث أتباعه قواعد محددة جاهزة تصبح بمثابة المعتقدات الجامدة التي لا تقبل المناقشة أو التغيير.
حول الدين والدولة فتحنا باب المناقشة مع الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..
* هل يوجد في الإسلام ما يسمي «الدولة الدينية»؟
- الدولة التي يقدمها الإسلام ليست دينية بل مدنية، مرجعيتها الشريعة الاسلامية.. دولة مدنية يحكمها مدنيون ولا كهنة.
* الدين والدولة منفصلان أم ملتصقان؟
- الإسلام عقيدة وشريعة كما عبر عنه الشيخ محمود شلتوت، وبتعبير آخر هو عبادة ومعاملة، دين ودنيا، دعوة ودولة، وهذا يعني شمول الإسلام، فهو ليس عقيدة لاهوتية، بل منهج شامل جاء ينظم حياة الناس في جوانبها الروحية والمادية، وليس من الإنصاف أن نحصر الإسلام في الجانب اللاهوتي والعقائدي وحده، فهناك آيات تتعلق بالعقيدة، وأخري بالعبادة، وآيات تتعلق بشؤون الأسرة وأطول آية في القرآن تخص بالمعاملات وهي آ ية المداينة، وتتحدث عن كيف يستطيع الانسان توثيق دينه حتي لا يضيع، إضافة إلي آيات خاصة بالعقاب والحدود والقصاص،
وأخري تتعلق بالجانب الدستوري، وبعض يتحدث عن العلاقات الدولية التي يأمرنا ديننا بأن الأصل فيها هو السلم، وألا نحارب إلا من حاربنا إذ يقول المولي عز وجل في كتابه العزيز «فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً»، حتي بعد الحرب إذا أرادوا أن يسالمونا سالمناهم فالقرآن يقول «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم، وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله» صدق الله العظيم، والمقصود أنه حتي وإن أرادوا الخداع فاستجب إلي دعوة السلم.. فكيف نقول إن الإسلام محصور في ركن في المسجد.
* لكن بعض الإسلاميين يشتركون مع العلمانيين في القول بابتعاد الدين عن السياسة باعتبارها مدنسة وإذا اختلط بها الدين ربما حملوه أخطاء السياسة والسياسيين؟
- المشكلة أن الناس في عصرنا هذا ساء ظنهم بالسياسة التي تقوم علي الغدر والمكر والعبث بالأخلاق، كما أساءوا الظن بالسياسيين واعتبروهم قوماً لا ذمة لهم ولا ضمائر تحكمهم، فكره الناس السياسة والسياسيين، لذا قالوا أبعدوها عن الدين لأنها شر، لكن السياسة الحقيقية هي تدبير أمر الخلق مما يجعل الناس أقرب إلي الصلاح والبعد عن الفساد وما يحفظ عليهم دينهم ونسلهم وعقلهم وأموالهم وأن يعيشوا حياة طيبة، وإذا انحرف الناس بالسياسة فالدين لا ذنب له.
الدين يجب أن يدخل ويشترك في الحكم ليقي السياسة من الدنس وإن وقعت فيه يطهرها، هذه هي مهمة الدين.. الدين إذا دخل في شيء أصلحه.. وهذا أفضل من ترك السياسة لمن لا دين لهم.. لأن هذا يعني أن يسوس الناس من ليس لهم ضمير ولا دين ولا وازع أخلاقي لخير الناس، ومن مصلحتهم أن يحكموا من أناس يعرفون الدين ويتقون الله فيهم، ويرحمون الخلق، أما إذا تحالف أهل المال والسلطة أي رجال الأعمال مع الحكومة وأعضاء مجلس الشعب فسيكون الضحية هم الشعب.. فهؤلاء يعملون علي كسب الملايين علي حساب قوت من لا يجدون ما يمسك الرمق ولا يطفئ الحرق، لذا من الخير أن يدخل الدين في السياسة.
* هل كان الرسول صلي الله عليه وسلم رجل دين وحاكما في الوقت نفسه؟
- نعم كان يؤم الناس في الصلاة ويحكم بينهم في أمورهم.. وكان يسوس الناس ويقودهم في أمورهم الحياتية، وهكذا سار علي نهجه الخلفاء الراشدون وظل الإسلام ديناً ودولة ١٣ قرناً.
* البعض يقول إن الرسول كان نبي أمة جاء لتعميم الفضيلة والأخلاق وليس حاكم دولة.. والفرق بينهما كبير؟
- بل كان الاثنين معاً فنحن ندرس في علم أصول الفقه تصرفات الرسول صلي الله عليه وسلم، ورأيناه في وقت من الأوقات يتصرف بوصفه المفتي الأعلي والقاضي الأحكم والإمام الأعظم، والإمامة هي الرئيس الأعلي، ونجد علماء السياسة الشرعية عندما يعرفون معني الخلافة يقولون هي «نيابة عن رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» إذن الخلافة دين ودنيا معا، فالخليفة لم يكن سلطة روحية ومعه حاكم أو سلطة زمنية.
* بماذا ترد علي من يقولون إن النصوص القرآنية لم تتضمن المزيد من التفاصيل الخاصة بالحكم ولا كيفيته ولا ماهيته وإنما اهتمت بالشريعة والمعاملات والعقيدة؟
- لأن هذه هي طريقة الإسلام.. يترك في الشريعة أموراً مفتوحة لتكون متماشية مع الأقطار الاسلامية علي اتساعها وعلي امتداد أزمنتها، لأن شريعة الإسلام هي آخر شريعة لذا يجب أن يكون فيها من المرونة ما يسع كل التغيرات، فهناك أمور كثيرة غير الحكم وكيفيته لم يتطرق إليها القرآن وتركها لعقول المسلمين، والرسول صلي الله عليه وسلم يقول «ما حلل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه الله فهو حرام وما سكت عنه فهو عف، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسي شيئاً» ثم تلا قول الله تعالي «وما كان ربك نسيا»، وهذا ما نسميه نحن منطقة العفو أو منطقة الفراغ من التشريع والتي يجتهد العلماء في ملئها بالقياس أو بالمصلحة أو برعاية العرف أو بالاستحسان أو بالاستصحاب.
القرآن بطبيعته في كثير من مواقعه نجده كلياً وليس فيه تفاصيل فمثلاً و«أمرهم شوري بينهم» أو «وشاورهم في الأمر» ولم يذكر لنا آليات الشوري، ومن الذين نشاورهم ولا عددهم ولا في أي أمور نأخذ بالشوري، ترك التفاصيل للعقل الإسلامي، لكل عصر أن يجتهد بما يلائمه، وكل دولة بحسب ظروفها، ومع ذلك هناك أمور وردت في القرآن بمزيد من التفصيل مثل شؤون الأسرة والزواج والطلاق والدين لأنها أمور لا تتغير بالزمن.
* البعض يخشي الحكم بالدين فتعود نظرية «الحق الإلهي» التي ظهرت في الحضارة المسيحية في القرون الوسطي ويصبح كل ما يقوله أو يتخذه الحاكم من قرارات محصناً وغير قابل للنقاش تحت دعوي أنه يحكم بالدين.. ومن يستطيع التجرؤ علي الدين؟!
- نعم نظرية «الحق الإلهي» التي تتحدثين عنها كانت أحد اختراعات الكنيسة الغربية لمزيد من إحكام قبضتها علي الشعوب، وكانت النتيجة أن ظهرت العلمانية في وجه هذه النظرية لتفصل الدين عن الدولة، والمقصود هنا دين الكنيسة التي تحكمت في الناس ومصائرهم، فحينما جاءت النهضة - التي تدين بالفضل إلي الحضارة الإسلامية - كانت الكنيسة هي التي تقف في وجه التقدم وتتبني أفكاراً ضد العلم، وكان العلم والدين في تعارض دائم. الكنيسة وقفت مع الحكام ضد الشعوب ومع الجهل ضد العلم، ومع الإقطاعيين ضد الفلاحين، فكان لابد من الوقوف في وجه الدين الذي كان يقف عقبة في سبيل العلم والحرية فانتصروا علي دين وجمود الكنيسة...
* وكيف انتقلت العلمانية إلي الإسلام؟
- انتقلت من باب التقليد الأعمي بدعوي أن الغرب لم يتقدم إلا عندما تحرر من الدين فعلينا أن نفعل مثلهم وهذا خطأ، لأن دين الغرب غير ديننا، والأزهر غير الكنيسة، والمسيحية غير الإسلام، فالعلم عندنا دين والدين عندنا علم.
والغرب غير الشرق وتاريخهم غير تاريخنا، وقد فرضت العلمانية علي المسلمين بالقوة وبالحديد والنار وبالرصاص وبالسجون، وظهر ذلك جلياً في تركيا، حيث انتصرت العلمانية علي الشعب التركي بهذه الطريقة وبقوة الجيش، وحتي اليوم الجيش هو الذي يحرس العلمانية في تركيا.
* في رأيك إلي أيهما تميل الشعوب العربية: الحكم الإسلامي أم العلماني؟
- الشرق عموماً مازال يرفض هذه الفكرة فلو عملت استفتاء في مصر نصه: هل ترضي بالعلمانية أم بالشريعة الإسلامية لحكم مصر؟ طبعاً الأغلبية ستشير إلي الشريعة الإسلامية، وعندما أتحدث عن الشريعة الإسلامية فيجب أن نفهمها فهماً صحيحاً في ضوء اجتهاد عصري صحيح وليس في ضوء الجمود والانغلاق.
* ألم يكن تزايد الاتجاه إلي العلمانية بسبب عدم وجود شخصيات إسلامية جيدة قادرة علي تسيير الأمور وحكم البلاد؟
- دولنا كلها تحكم بالعلمانية، ولا توجد دولة تقول بأنها تحكم بالشريعة الإسلامية إلا السعودية.. فإذا كان هناك خلل في الحكم فهو بسبب العلمانية وليس حكم الإسلام.
* ومع ذلك لم تقدم السعودية نموذجاً يحتذي به في الوطن العربي؟
- ولا البلاد الأخري التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية، مثل سوريا والعراق ولا مصر، فلا أحد منهم تقدم وهم يحكمون بالعلمانية.. الشريعة الإسلامية لا تحكم وحدها بل عن طريق رجال، لذا يجب أن نربي رجالاً قادرين علي الحكم.. نحن نقول الآن في مصر إننا نحكم بالديمقراطية فهل نحن نحكم بالديمقراطية فعلاً؟ هذا ليس عيباً في الديمقراطية، إنهم يتبعون ديمقراطية الثلاث تسعات، وهذه ليست ديمقراطية فنحن كما ندعي الديمقراطية ولا نحققها، ندعي أيضاً الإسلام ولا نحققه.. وحتي الآن لم نجد دولة واحدة تقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية باجتهاد عصري صحيح. ولكن عموماً الإسلاميون أكثر قبولاً لدي الشعوب العربية والإسلامية.
* ما الدولة التي تعتبرها تطبق الحكم الإسلامي كما يجب أن يكون؟
- ولا دولة.
* أليس غريباً أن تقول إنه لا توجد دولة إسلامية بحق في العالم كله، أليست مسألة تستحق التوقف؟
- إذا لم يسع الناس إلي إيجاد النموذج الإسلامي، فإنه لن ينزل لهم من السماء.. الدولة الإسلامية يجب أن يقيمها المسلمون وإن لم يسعوا لذلك فلن تقوم، فهي مسؤولية المسلمين قبل كل شيء.. يجب أن يتعاونوا فيما بينهم ويتوقفوا عن سوء الظن في بعضهم البعض، وأن يتشاركوا ويتفاهموا.
* وكيف تقيم تجربة الحكم في ماليزيا التي مزجت بين الحكم العلماني وتطبيق الشريعة الإسلامية، وما وصلت إليه من تقدم وازدهار ملموس عالمياً؟
- ماليزيا نموذج له طبيعة خاصة، لأنه يقوم علي عناصر مختلفة منهم الملاويون وهم أصل البلاد ويمثلون حوالي ٥٥% من عدد السكان، إلي جانب العنصر الصيني والهندوسي وباقي الأقليات، وحتي تنجح في التعامل مع هذا التآلف وهذه التعددية حكمت بالعلمانية، ولكنها علمانية غير متطرفة وليست ضد الدين الإسلامي، إضافة إلي إخلاص ماليزيا في التنمية فقد اتبعت المنهج العلمي واستغلت قوة العنصر الصيني المسيطر حقيقة علي معظم ثروات البلاد، رغم أن الملاويين المسلمين هم الأغلبية فالفنادق والبنوك والأبنية الضخمة ملك الصينيين، وهو ما يجعلنا حذرين من التجربة الماليزية، ولكنها حققت التنمية وإن كانت ليست النموذج الأمثل الذي ننشده وأتمني أن تحاول ذلك في المستقبل.
* قلت إن العلمانية في ماليزيا غير مضادة للدين، فهل يمكن أن تكون العلمانية غير مضادة للدين؟
- أقصد أنه كما توجد أنواع من العلمانية المتطرفة المعادية للدين، مثل العلمانية الماركسية التي هي دائماً معادية للدين، وتعتبره أفيون الشعوب هناك علمانيات هادئة لا تضطهد من يدينون بالدين الإسلامي ووسطية في ممارستها الحكم.
* وأين تري العلمانية المتشددة؟
- في تركيا وتونس، فهما نموذجان للتطرف العلماني في مواجهة الإسلام.. فمثلاً الحكومة الديمقراطية المنتخبة في تركيا كاد يطاح بها بحكم محكمة، وهي طبعاً محكمة أسسها علمانيون.
* إذا لم تستطع المحكمة العلمانية التغلب علي أردوغان وجول بانتماءاتهم االإسلامية في تركيا إلا أن العسكريين تغلبوا علي حكومة ديمقراطية منتخبة، وأزاحوها بين ليلة وضحاها في موريتانيا الدولة الإسلامية؟
- المشكلة أن الكثير من البلدان العربية يحكمها العسكريون من وراء ستار.. ففي موريتانيا بمجرد أن حاول الرئيس المنتخب أن يستخدم سلطاته ويعزل رئيس الأركان ورئيس الحرس، انقلبوا عليه.
وهذا ما فهمه وأدركه رجب طيب أردوجان وعبدالله جول في تركيا، فهما يملكان سلطة تغيير أعضاء المحكمة ووضع عدد من القضاة الإسلاميين بدلاً منهم، ولكنهما خافا لأنهما لو فعلا ذلك ستيدخل قادة الجيش، فهم الحكام الفعليون في منطقة الشرق الأوسط والبلاد العربية.
* لماذا وضعت تونس ضمن هذه القائمة رغم أنها دولة عربية إسلامية؟
- العلمانية التونسية شديدة التطرف، فهي مثلاً تري أن من يصلي الفجر مضاد للدولة، يجب أن يوضع علي القائمة السوداء، والمرأة المحجبة تمنع من دخول المدرسة والجامعة ودخول القطاع العام، ولا تستطيع أن تلد في مستشفي حكومي إلا إذا خلعت الحجاب، لذلك تعد نموذجاً للعلمانية المضادة للدين الإسلامي.
* وماذا عن العلمانية المصرية؟
- معقولة، فهي تحكم بغير ما هو في الشريعة، ولكنها تترك الناس، كل واحد حر، وإن كانت لا تخلو من بعض المضايقات والاضطهاد كمنع المذيعة المحجبة من الظهور علي شاشة التليفزيون المصري.. ومطاردة الجماعات الإسلامية.
* هل يراعي الدستور المصري الشريعة الإسلامية؟
- الدستور الحالي لا أستطيع أن أحكم عليه لأنني لم أقرأه قراءة مستوعبة، ولكن أعتقد أن من أكثر الدساتير التي كانت تراعي الشريعة الإسلامية في التاريخ المصري الحديث هو دستور ٢٣، إما مراعاة مباشرة أو بشكل غير مباشر، بحيث لا يكون مضاداً تماماً للشريعة.
* ما القوانين التي تراها ضد الشريعة؟
- القوانين التي تبيح الربا وتعطل الحدود، والقوانين التي تبيح الخمر والخلاعة ولا تضع لهما حدوداً، وقوانين تقييد حرية الإنسان مثل قوانين الإرهاب والطوارئ، وهي مخالفة للشريعة الإسلامية مخالفة بينة.
* في رأيك.. لماذا الخوف من وصول الجماعات الإسلامية إلي كرسي الحكم؟
- المجتمع الإسلامي ليس رافضاً للجماعات الإسلامية، بل يرحب بهم، وفي وقت من الأوقات أقبل الناس علي انتخاب الإسلاميين وحصلوا علي ٨٨ مقعداً في البرلمان المصري من حوالي ١٠٠ منطقة رشحوا أنفسهم فيها، أي حوالي ٨٠% من المناطق التي تنافسوا عليها رغم عدم وجود ديمقراطية، والأصل في الأزمة أن الحكام هم الذين لا يريدون أن يتزحزحوا عن مناصبهم.
* وهل أنت شخصياً مقتنع بكفاءتهم للوصول إلي الحكم؟
- نعم ماداموا سيحكمون وفقاً للشريعة.. ولكن فلنقل إنني أساساً مع الديمقراطية، وأن يختار الشعب من يحكمه، يختار الإسلاميين.. يختار الديمقراطيين، أو القوميين، المهم أن يكون للشعب حق الاختيار، وإن أساءت الشعوب الاختيار فعليها تحمل مسؤولية اختيارها.
* مثلما حدث مع حماس؟
- حماس لم تستطع أن تحقق ما تريد، ومنذ يوم وصولها إلي السلطة يحاصرونها بالمشاكل، ولم يمكنوها من عمل شيء، وكما قال الكاتب فهمي هويدي فإنها لم تكن طرفاً في الانقلاب، بل قامت ضد الانقلاب، لأنه كان يدبر لها انقلاب، فسبقت وقامت هي به أولاً، وقالت: «أتغدي بيهم قبل ما يتعشوا بي»، ومع ذلك هناك أمور وتفاصيل كثيرة لا أحب الدخول فيها لكنني أدعو الجميع في فلسطين إلي الوقوف صفاً واحداً، فحرب الفلسطيني للفلسطيني من المحرمات.
وعلي أي حال، تجربة حماس ليست التجربة الإسلامية المنشودة في الحكم، وليست النموذج برغم أنها لم تتمكن - كما قلت - من فعل ما يمكننا من الحكم علي نجاحها أو فشلها.
* إذا كنت مع وصول الإخوان إلي الحكم لماذا خرجت من عباءتهم، وهل هذا يعني خلافاً غير ظاهر بينكما، أو عدم رضا عن أدائهم؟
- خرجت من تنظيم الإخوان المسلمين لأنني لا أريد أن أحصر جهودي في جماعة معينة، وأريد أن أخدم الأمة بأكملها، ففي وقت من الأوقات عرضوا علي منصب المرشد العام للجماعة واعتذرت، أفضل أن أكون مرشداً للأمة بدلاً من أن أكون مرشداً لجماعة معينة.. لكنني أؤازرهم وأدعمهم وأنصحهم.
* ولكنك تعيب علي الإخوان المسلمين من حين لآخر.. وأذكر عنك انتقادك لهم لاستغراقهم في العمل السياسي الذي يستهلك جل طاقتهم وإغفالهم العمل الاجتماعي؟
- نعم، فهم لم يعدوا العدة ليندمجوا في الشعب كما يجب، ولا فهموا احتياجات الشارع كما ينبغي.. وانشغلوا بالسياسة.. وانتقادي لهم من باب التقويم، وأنا والحمد لله لا أميل للمغالاة ولا أرضي بالتفريط ولا بالتشدد.
* وهل ملحوظاتك هذه علي الجماعات الإسلامية هي التي جعلتك تؤلف كتابك «فقه الأولوليات»؟
- ما كتبته في كتابي هذا طويل المدي في أفكاره حتي ٣٠ عاماً قادمة، فقد كنت مهتماً بأولويات المجتمع الإسلامي ككل في المرحلة القادمة، ومن بينها أولويات الحركات الإسلامية في العقود الثلاثة القادمة، فكتبت هذا الكتاب وتناولت الأولويات في الجانب الفكري والسياسي والتربوي.
* وماذا جاء علي رأس أولويات الجماعات الإسلامية؟
- العلم، لا يمكن أن نتقدم إلا بالعلم، والإسلام يحثنا علي اتباع المنهج العلمي، وليس مجرد الحصول علي الشهادات، بل منهج وروح يجب أن يسيطر علينا ويشملنا، والبعد عن عاطفية والغوغائية والارتجالية، عليهم بالتخطيط والإحصاء ولغة الأرقام.. عليهم الانغماس في الشارع وتفهم احتياجاته.
* هل تعتبر الإخوان حزباً سياسياً في وضعهم الحالي؟
- ماداموا مشغولين بهموم الأمة ومسألة الحكم ودخول الانتخابات فهم حزب سياسي أراد الآخرون أم لا.. هم يقومون بكل الممارسات الحزبية وأنا أعتبرهم «حزب وزيادة شوية».
* بمعني؟!
- لديهم اهتمام أكثر بالجانب التربوي والأخلاقي، إلي جانب السياسة، وهذا ما يميزهم عن باقي الأحزاب.
* رغم أنهم غير معترف بهم وليست لديهم شرعية كباقي الأحزاب؟
- الشرعية الحقيقية هي التي يمنحها لك الشارع وليس الحاكم، والأحزاب الموجودة الآن غير حقيقية.. فالأحزاب تنشأ أولاً ثم تأتي بالحكومة، ولكن هذه أحزاب أنشأتها الحكومة، فهي مصطنعة تقوم علي المنفعة، والحزب الوطني ليس حزباً حقيقياً، بل حزب تكون أعضاؤه ممن لهم مصالح ويريدون الانتفاع بدخولهم فيه وليس عن إيمان بمبادئه.
-------------------------
نشر في المصري اليوم 8-9-2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=177767
------------------
الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ٢ - ٢:
نصيحتي للرئيس مبارك:
لا تمدد ولا تورث.. ولا تظلم ابنك بالحكم
----------------------------------
حوار رانيا بدوي ٩/ ٩/ ٢٠٠٨
---------------------------------

يقول الشيخ يوسف القرضاوي إن من حق كل امرئ في الشعب أن ينصح الحاكم، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، مراعياً الأدب الواجب في ذلك، وأن يطيعه في المعروف، ويرفض الطاعة في المعصية المجمع عليها، أي المعصية الصريحة البينة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وجوهر الديمقراطية أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكماً يقودها رغم أنفها. وهو ما قرره الإسلام عن طريق الأمر بالشوري والبيعة، وذم الفراعنة والجبابرة، وأمر باتباع السواد الأعظم، وأن يد الله مع الجماعة، وقول الرسول لأبي بكر وعمر: «لو اتفقتما علي رأي ما خالفتكما» إذ سيمثلان صوتين أمام واحد.
ويضيف الشيخ القرضاوي قائلاً: ما يهمنا في الديمقراطية هو ضماناتها وآلياتها التي تمنع أن تزيف وتروج علي الناس بالباطل، فكم من بلاد تحسب علي الديمقراطية، والاستبداد يغمرها من قرنها إلي قدمها، وكم من رئيس يحصل علي (٩٩%)، وهو مكروه كل الكراهية من شعبه.. وإلي الجزء الثاني من الحوار.
* دكتور يوسف كيف لي كمواطنة عادية أن أنصح الحاكم وآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر في ظل تعقيدات النظام السياسي وصعوبة الوصول للرئيس بل سيطرة الأجهزة الأمنية؟
- الحاكم عندنا ليس مقدساً ولا يحكم بالحق الإلهي أو باسم السماء، فهو حاكم من الناس وكما قال سيدنا أبوبكر: «وليت عليكم ولست بخيركم إن رأيتموني علي حق فأعينوني وإن رأيتموني علي باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».. وقال سيدنا عمر بن الخطاب: «من رأي في منكم اعوجاجاً فليقومني» وقال عمر بن عبدالعزيز: «إنما أنا واحد منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً»، الشعب هو الذي اختار الحاكم لذا من حق الشعب أن ينصحه ويقومه إن اعوج.
* يا شيخنا هذا كلام نظري نكتبه ونقرؤه ولكن كيف أصل بصوتي ورأيي للرئيس وأنا مواطن لا حول لي ولا قوة؟
- يمكن أن أنصح الرئيس بالمباشرة إن استطعنا الوصول إليه أو ننصحه من علي المنبر يوم الجمعة أو في وسائل الإعلام والفضائيات والصحف.
عندما أتحدث عن المواطن لا أقصد كل فرد بنفسه، ولكن عن طريق الآليات المتاحة له، هذه الأمور تحتاج إلي آليات، ففي البلاد الغربية أوجدوا آليات لعزل الحاكم إذا خرج عن الدستور بأغلبية أعضاء البرلمان، لذا يجب أن يكون لدينا نحن أيضاً هذه القدرة التي تبدأ بالاختيار الصحيح لأعضائنا ليكون لدينا برلمان حقيقي يستطيع أن يقول للحاكم لا... لكن إذا كان الحاكم يضع البرلمان في جيبه كما هو الآن ويضمن الموافقة والتصفيق علي كل ما يريده فكيف سنعزله إذا أخطأ.
* وهل هذا ممكن؟
- باكستان استطاعت بالضغط الشعبي وبالمظاهرات السلمية أن تقيل الرئيس وتجبره علي الرحيل، ولكننا لم نصل حتي إلي مستوي الديمقراطية الباكستانية.. فلم نجد في بلادنا رئيساً يكتفي بمدة ولا حتي اثنتين بل يريد أن يبقي أبد الدهر وإن تخلي عن المقعد يريد أن يورثه لأبنائه.
* وهل نصحت الرئيس من قبل؟
- لم أقابل الرئيس مبارك سوي مرة واحدة في مناسبة عامة، أما الأمير القطري فأقابله كثيراً وأنصحه واقترح عليه بعض الأمور، وكذلك نصحت الرئيس الليبي معمر القذافي في إحدي المرات بأن يوقف حكماً علي بعض الإسلاميين بالإعدام، لأن الإعدام لا مرد له ولو خسرنا الإنسان لن نستعيده مرة أخري، ولكن ربما الحكم عليه بالمؤبد يرد سلوكه أو نكتشف بعد ذلك براءته فهو أمر مردود، وقد استجاب القذافي وتصالح مع الإسلاميين بناء علي نصيحتي وهكذا الرئيس الأسد، وأحياناً أنصح الرؤساء ورجال الأعمال والحكومات من علي المنبر، فمثلاً في قطر وجدت أن الناس غالت في إيجارات المنازل فتكلمت في أكثر من خطبة علي هذه القسوة وهذا الظلم الذي يمارسه أصحاب الملايين.
* بماذا تنصح الرئيس مبارك إذن؟
- أنصحه أن يستجيب للناس وأن يتخلي عن فكرتي التوريث والتمديد.. فلا يمدد لفترة رئاسية جديدة ويترك الحرية للناس لاختيار الرئيس القادم، ولا يورث ابنه الحكم، فلماذا يحمل ابنه هذه المسؤولية الخطيرة فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قالوا له رشح عبدالله ابنك قال: «بحسب آل الخطاب أن يحمل المسؤولية منهم واحد، وودت أن أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي» فكيف للرئيس مبارك أن يحمل نفسه المسؤولية ويحمل أولاده من بعده.
* كيف تري الوضع الاقتصادي الآن في مصر في ظل الشريعة الإسلامية؟
- الحكومة تطبق العلمانية في كل شيء ومنها الاقتصاد ولن ينصلح حال هذا الاقتصاد ولا اقتصاد باقي الدول العربية إلا بالإنتاج والابتعاد عن كل ما يغضب الله من ظلم الناس واحتكار للسلع واستغلال الأقوياء للضعفاء.
الاقتصاد الاسلامي قائم علي عدالة التوزيع والموازنة بين الإنتاج والاستهلاك، نحن دول تستهلك ولا تنتج وتستورد ولا تصدر علينا بزيادة الإنتاج من جانب ونعلم أمتنا كيفية ترشيد الاستهلاك من جهة ثانية، فالرسول صلي الله عليه وسلم قال: «إذا وقعت اللقمة من أحدكم فليمط عنها الأذي وليأكلها ولا يتركها للشيطان».
ولو جمعنا فضلات الناس الناتجة عن استهتارهم وسفه استهلاكهم فإنها تساوي مليارات الجنيهات.
* لك رأي واضح في تحريم فوائد البنوك بأنها الربا الحرام فكيف أستثمر مالي وأنا لا أفهم في مجال الأعمال؟
- الحل إما أن يشغلها البنك بطريقة إسلامية أو أن تذهبي إلي بنك إسلامي. وهذا ليس رأيي وحدي بل رأي جمهور العلماء الذين يقولون إن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
* هل الضرائب تغني عن الزكاة؟
- لو أن مصر دولة إسلامية حقاً كانت ستدفع الزكاة أولاً وتحرص عليها وتكمل بالضرائب، فالزكاة لن تكفي لأنها نسبة معينة ٢.٥% من المدخرات والتجارات وهي نسبة لا تستطيع أن تكفي دولة للإنفاق علي بناء السدود والقناطر والطرق والمواصلات، ومن الممكن أن تخصم الزكاة من الضرائب إذا دفعها المواطن ففي أمريكا وبعض الدول الأوروبية الشخص الذي يدفع للجمعيات الأهلية يخصمونها من الضرائب ولكن لا الزكاة تغني عن الضرائب ولا الضرائب تغني عن الزكاة، ولكن للضرائب مقننات وليس للدولة أن تثقل علي مواطنيها بالضرائب بما لا يتوازن مع دخولهم.
* أشرت في الحلقة السابقة إلي أن هناك منطقة في الدين تسمي «الفراغ من التشريع» ليجتهد علماء كل عصر بما يتناسب وعصرهم ولكنها من ناحية أخري كانت سبباً في الاختلاف بين علماء المسلمين في بعض الأمور، وصل إلي البلبلة والشتات في أمور كثيرة؟
- لكي يكون الاجتهاد مقبولاً يجب أن يكون من أهله وفي محله.. من أهله تعني أن يكون الشخص جامعاً لشروط الاجتهاد، عالماً بالقرآن وبالحديث، عالماً في اللغة العربية ومتمكناً منها، عالماً بأصول الفقه والقياس ومقاصد الشريعة، يعرف المتفق عليه والمختلف عليه في الفقه وفي الأحاديث، فلا يجب أن يأتي إنسان لا يحسن قراءة سطرين من كتاب من كتب أصول الفقه أو التفسير، لا يعرف في النحو والصرف والبلاغة، ليجتهد في الشرع، لكل علم أصول وقواعد، هل يستطيع مهندس أن يتحدث في الطب.. أو طبيب في المحاسبة، أو عالم ذرة في طب الجراحة، لماذا إذن جعلنا من الدين مجالاً لكل من يعرف ومن لا يعرف، وشأن مباح، بل باب من غير بواب.
أما في محله فهي تعني أن يكون الاجتهاد في منطقة الاجتهاد، فلدينا منطقة مغلقة لا يصح فيها الاجتهاد وهي الأحكام القطعية. أما الاجتهاد ففي مجال الأحكام الظنية.. ومعظم الأحكام ظنية.
* كيف لنا أن نعرف صاحب أهلية الاجتهاد فيما الفضائيات تضج بالمشايخ والدعاة؟
- الإنسان عندما يمرض ابنه يظل يسأل عمن هو أفضل طبيب فيذهب لمن يجتمع عليه الناس ويجمعون علي خبرته، فلماذا نتكاسل فيما يخص الدين، فلنأخذ ممن عرف عنهم العلم والخبرة، ونبعد عمن يفرخون الفتوي لإرضاء السلطة، والبعد عن علماء السلطة وعملاء الشرطة ونأخذ ممن معروف عنه الثقة.
* فتح باب الدين والاجتهاد لكل من هب ودب - حسب قولك - هل تعتقد أنه مقصود أم أنه تقصير من العلماء؟
- تقصير ممن بيدهم الأمور والمسؤولون عن تأهيل العلماء للظهور للناس فأحياناً يظهر شخص في فضائية من الفضائيات وهو ليس أهلاً ولكن لأنه قريب الوزير الفلاني أو نسيب المسؤول الفلاني فيقدمونه ويؤخرون من هو أولي منه.
وإذا كنت أري أن العلماء عليهم قدر من المسؤولية إلا أن المجتمع أيضاً مسؤول، فإذا قال المجتمع هذا لا يصح، لن يظهر ثانية، فلا أحد يستطيع أن يقاوم رغبة المجتمع.
* وأين دور الأزهر في الرقابة والتأهيل؟
- الأزهر لا يملك هذا فهو لا يملك التليفزيون ولا الإذاعة، وإنها وسائل في يد الدولة، والعلماء موظفون لدي الدولة لا حول لهم ولا قوة.
* وكيف تحول العالم من راد لجنوح الحاكم إلي مجرد موظف تحركه الدولة؟
- العلماء في الماضي كانوا أقوياء لأن الأوقاف كانت في أيديهم وكانوا يأخذون رواتبهم من الأوقاف أما الآن الأزهر وعلماؤه ليس في يدهم أي أوقاف فهي في يد الدولة.. ومن يملك راتبي يتحكم في..
وهذا ما يفسر قوة علماء الشيعة مقارنة بعلماء السنة، لأنهم ليسوا موظفين عند الدولة بل يأخذون رواتبهم من الشعب الشيعي، فهو يعطي ٢٠% من صافي الدخل للإمام أو للمرجع الديني، لذلك فإن علماءهم أغنياء ولديهم مليارات، لكن الموظف هنا إذا غضبت الدولة عليه تحجب عنه، وإذا رضيت عنه منحته، فمن شيخ الأزهر مروراً بالمفتي ورئيس جامعة الأزهر من أكبر عالم إلي أصغر عالم كلهم موظفون لدي الدولة.. ليست لديهم قوة، فالحسن البصري كان من أكبر العلماء وكان ناقداً للحكام والولاة في عصره..
وسأل الأشخاص من بني أمية: ما سر قوة هذا الرجل؟! فأجابه أحد الأعراب: سر قوة هذا الرجل أن لديه مالاً لذا احتاج الناس إلي علمه ودينه واستغني هو عن دنياهم.. والكارثة أن يكون العالم في حاجة إلي مال الحاكم والحاكم في غني عن علمه ودينه وهذا سر ضعف علماء المسلمين السنة عامة وعلماء الأزهر خاصة.
* أيهما تري أنه الأخطر والأكثر نفاذاً: المد الوهابي أو المد الشيعي؟
- في السنوات الأخيرة اشتعل الفكر الوهابي بقوة وكان له دعاة ومدعمون والعيب فيه هو التعصب له ضد الأفكار الأخري وهو قائم علي المذهب الحنبلي، ولكنهم لا يرون ولا يؤمنون إلا برأيهم فهم يعتبرون أن رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب..
أما الشيعة فهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السني وهم مهيئون لذلك بما لديم من ثروات بالمليارات وكوادر مدربة علي التبشير بالمنهج الشيعي في البلاد السنية خصوصاً أن المجتمع السني ليست لديه حصانة ثقافية ضد الغزو الشيعي فنحن العلماء لم نحصن السنة ضد الغزو المذهبي الشيعي لأننا دائماً نعمل القول «ابعد عن الفتنة لنوحد المسلمين» وتركنا علماء السنة خاوين.
للأسف وجدت مؤخراً مصريين شيعة، فقد حاول الشيعة قبل ذلك عشرات السنوات أن يكسبوا مصرياً واحداً ولم ينجحوا، من عهد صلاح الدين الأيوبي حتي ٢٠ عاماً مضت ما كان يوجد شيعي واحد في مصر، الآن موجودون في الصحف وعلي الشاشات ويجهرون بتشيعهم وبأفكارهم. الشيعة يعملون مبدأ التقية وإظهار غير ما بطن وهو ما يجب أن نحذر منه، وما يجب أن نقف ضده في هذه الفترة أن نحمي المجتمعات السنية من الغزو الشيعي، وأدعو علماء السنة للتكاتف ومواجهة هذا الغزو لأني وجدت أن كل البلاد العربية هزمت من الشيعة: مصر، السودان، المغرب، الجزائر وغيرها فضلاً عن ماليزيا وأندونسيا ونيجيريا.
* هل الخلافات الدينية بيننا وبين الشيعة بسيطة أم أنها في أصل الدين؟
ـ الخلاف في الأفرع ليس مهما لكن الخلافات في العقيدة هي المهمة. فكثير منهم يقول إن القرآن الموجود هو كلام الله ولكن ينقصه بعض الأشياء مثل سورة الولاية، نحن نقول إن السنة سنة محمد أما هم فلديهم سنة المعصومين محمد والأئمة الأحد عشر، ويعتبرون سنتهم مثل سنة محمد.. نحن نقول أبوبكر رضي الله عنه وعمرو رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها وهم يقولون لعنهم الله.. فهم يرون أن الرسول قبل أن يموت أوصي علي ابن أبي طالب أن يكون الخليفة من بعده.. ويعتبرون الصحابة خانوا الرسول ووصيته واختاروا آخرين.
* كيف يكون هناك خلاف في العقيدة وهي أصل الدين ومع ذلك يكونون مسلمين؟
ـ هم يؤمنون بالله والقرآن والرسول.
* إذا كان الشيعة ينكرون أصولاً في العقيدة ومع ذلك تعتبرهم مسلين فلماذا لا نفعل الأمر نفسه مع القرآنيين بدلاً من تكفيرهم؟
ـ من قال إنه لا يؤمن بالسنة كافر، لأن معني هذا أنه لا يؤمن أن الصلوات خمس وصلاة الظهر أربع ركعات، والصبح ركعتان وإلا كيف عرف فهي تفاصيل لم تذكر في القرآن بل في السنة.. من ينكر السنة فهو كافر.
* ثار مؤخراً جدل شديد حول نقل الأعضاء بين المسلم والكتابي وقد أفتي البعض بحرمانيته فما رأيك؟
ـ نقل الأعضاء أفتي بجوازه عدد من المجامع الإسلامية ولكن بشروط، إما نقل من ميت أوصي بأعضائه أو موتي الحوادث أو حي يتبرع لحي.. وكان أحد شروط التبرع أن يكون للأقرباء بدرجات معينة لذا من الطبيعي أن الكتابي ليس في القائمة ومن هنا جاء عدم جواز الأمر وليس لكونه كتابياً.. ولكن الشيء الذي أجمع الجميع علي حرمانيته هو بيع أجزاء من الجسد مقابل المال والحرمانية هنا تقع علي البائع والمشتري.
* حتي ولو تم ذلك تحت ضغط الفقر؟
ـ حتي تحت ضغط الفقر لا يجوز للإنسان بيع أعضائه بأي حال من الأحوال، لأنها ليست ملكه.
* وماذا عن ميراث الكتابية هل من حقها أن تحصل علي ميراث من زوجها المتوفي؟
ـ لا ولكن من حق زوجها أن يرث فيها.
* وهل هذا عدل؟
ـ يقام العدل عن طريق الوصية فالدين أمر الزوج بأن يكتب لزوجته الكتابية وصية، يقول المولي عز وجل «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين» والرسول قال: لا وصية لوارث.. وفسرها الرسول بأن المقصود بالوصية لغير المسلمين. سواء زوجة أو والد أو والدة من الكتابيين».
* ولو لا قدر الله مات الزوج فجأة قبل أن يكتب لزوجته وصية؟
ـ فكر الشيخ القرضاوي قليلاً ثم قال: نستطيع في هذه الحالة أن نطلب تشريعاً خاصاً واستثنائياً لمعالجة مثل هذه الأمور، ولكن الأصل أن الزوج المسلم يوصي لزوجته الكتابية.
* لك فتوي أثارت الجدل حول تحليلك الغناء.. فهل مازلت مصراً علي رأيك رغم الهجوم عليك؟
ـ نعم.. ولكن الغناء الذي حللته حددت شروطه بأن يكون موضوع الغناء نفسه مقبولاً إسلامياً، لا يخالف العقيدة ولا الشريعة، فلو أن هناك أغنية تشكك في العقيدة مثل طلاسم إيليا أبوماضي التي يقول فيها «جئت لا أعلم من أين ولكن أتيت، ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري.. إلي آخرها»، أو قول أبونواس و«داوني بالتي كانت هي الداء» ويقصد الخمر أو أن يغني أحد ما قاله شوقي: «رمضان ولي هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعي إلي مشتاق». أو أن عبدالحليم حافظ يغني «أبوعيون جريئة» والإسلام يدعو إلي غض البصر.. أي أغنية تخالف عقائد أو آداب الإسلام أرفضها، ومن ناحية الآداب يجب أن ألا تكون في الأغنية ميوعة ولا تكسر ولا إغراء، فالقرآن يقول: «فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض».
* ماذا عن شعر الغزل؟
- الرسول سمع من قبل شعراً للغزل، فلا بأس، المهم ألا يكون مكشوفاً.. كما لا يجب أن لا يختلط الغناء بما هو محرم من شرب أو رقص، فنحن نجد الآن كل أغنية فيها بنات يتراقصن أمام المطرب بشكل خليع.
* وهل تلاوة المرأة للقرآن أمام الرجال مباحة؟
- لا مانع فيها.
* إذن صوت المرأة ليس عورة؟
- لا ليس عورة.. كيف يكون عورة والله تعالي يقول: «وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب».. السيدة عائشة كانت تفتي وتروي الأحاديث وترد علي أسئلة الصحابة.
* ما رأيك في الفتوي التي أصدرتها هيئة الشؤون الدينية التركية التي تجيز استخدام اللاصق الطبي خلال نهار رمضان؟
- إذا كان المراد من هذا اللاصق الطبي تقليل الشعور بالجوع خلال الصيام، فإن استخدامه مكروه، لكنه لا يبطل الصوم. فاستعمال اللاصق يقلل من الحكمة التي أرادها الشارع من الصوم ،مثل تحمل المشقة والشعور بمعاناة الفقراء، ورأيي أن استخدام هذا اللاصق يقلل من أجر الصائم.
----------------
نشر في المصري اليوم 9-9-2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=177870
قوانين الإرهاب والطوارئ مخالفة للشريعة
-------------------------------------
كتب رانيا بدوي ٨/ ٩/ ٢٠٠٨
-------------------------------------

الدين والدولة.. وفلسفة الحكم في الإسلام، قضية لم تحسم بعد فالمسلمون - منذ صدر الإسلام وحتي الآن، لم يختلفوا في العقيدة ولا العبادات، ولكن سياسة الدولة وطبيعة الحكم هي التي فجرت الصراعات وأدت إلي ظهور التيارات المختلفة، منها الشيعة والمعتزلة وغيرهما.
قضية طبيعة السلطة في الدول الإسلامية، شغلت العلماء كثيراً، اختلفوا عليها وحولها، ولكنها مازالت تطرح مع تزايد المد العلماني في بعض أنظمة الحكم، والفصل بين ما لقيصر وما لله، وتطرف بعض أنظمة الحكم الاسلامي.. وظهور شعارات دينية لا تري الحل إلا في دولة دينية.. أين نقف؟.. فلا الحكم العلماني أخرج العرب من ورطتهم ولا الديني صحح مسارهم..
لذا وجب السؤال من جديد: هل أوصي الإسلام بأن تكون السلطة علي المسلمين دينية، أم مدنية؟ أم أنه لم يحدد موقفاً ولم يوص بطبيعة محددة للسلطة. الثابت تاريخياً أن الإسلام لم يورث أتباعه قواعد محددة جاهزة تصبح بمثابة المعتقدات الجامدة التي لا تقبل المناقشة أو التغيير.
حول الدين والدولة فتحنا باب المناقشة مع الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..
* هل يوجد في الإسلام ما يسمي «الدولة الدينية»؟
- الدولة التي يقدمها الإسلام ليست دينية بل مدنية، مرجعيتها الشريعة الاسلامية.. دولة مدنية يحكمها مدنيون ولا كهنة.
* الدين والدولة منفصلان أم ملتصقان؟
- الإسلام عقيدة وشريعة كما عبر عنه الشيخ محمود شلتوت، وبتعبير آخر هو عبادة ومعاملة، دين ودنيا، دعوة ودولة، وهذا يعني شمول الإسلام، فهو ليس عقيدة لاهوتية، بل منهج شامل جاء ينظم حياة الناس في جوانبها الروحية والمادية، وليس من الإنصاف أن نحصر الإسلام في الجانب اللاهوتي والعقائدي وحده، فهناك آيات تتعلق بالعقيدة، وأخري بالعبادة، وآيات تتعلق بشؤون الأسرة وأطول آية في القرآن تخص بالمعاملات وهي آ ية المداينة، وتتحدث عن كيف يستطيع الانسان توثيق دينه حتي لا يضيع، إضافة إلي آيات خاصة بالعقاب والحدود والقصاص،
وأخري تتعلق بالجانب الدستوري، وبعض يتحدث عن العلاقات الدولية التي يأمرنا ديننا بأن الأصل فيها هو السلم، وألا نحارب إلا من حاربنا إذ يقول المولي عز وجل في كتابه العزيز «فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً»، حتي بعد الحرب إذا أرادوا أن يسالمونا سالمناهم فالقرآن يقول «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم، وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله» صدق الله العظيم، والمقصود أنه حتي وإن أرادوا الخداع فاستجب إلي دعوة السلم.. فكيف نقول إن الإسلام محصور في ركن في المسجد.
* لكن بعض الإسلاميين يشتركون مع العلمانيين في القول بابتعاد الدين عن السياسة باعتبارها مدنسة وإذا اختلط بها الدين ربما حملوه أخطاء السياسة والسياسيين؟
- المشكلة أن الناس في عصرنا هذا ساء ظنهم بالسياسة التي تقوم علي الغدر والمكر والعبث بالأخلاق، كما أساءوا الظن بالسياسيين واعتبروهم قوماً لا ذمة لهم ولا ضمائر تحكمهم، فكره الناس السياسة والسياسيين، لذا قالوا أبعدوها عن الدين لأنها شر، لكن السياسة الحقيقية هي تدبير أمر الخلق مما يجعل الناس أقرب إلي الصلاح والبعد عن الفساد وما يحفظ عليهم دينهم ونسلهم وعقلهم وأموالهم وأن يعيشوا حياة طيبة، وإذا انحرف الناس بالسياسة فالدين لا ذنب له.
الدين يجب أن يدخل ويشترك في الحكم ليقي السياسة من الدنس وإن وقعت فيه يطهرها، هذه هي مهمة الدين.. الدين إذا دخل في شيء أصلحه.. وهذا أفضل من ترك السياسة لمن لا دين لهم.. لأن هذا يعني أن يسوس الناس من ليس لهم ضمير ولا دين ولا وازع أخلاقي لخير الناس، ومن مصلحتهم أن يحكموا من أناس يعرفون الدين ويتقون الله فيهم، ويرحمون الخلق، أما إذا تحالف أهل المال والسلطة أي رجال الأعمال مع الحكومة وأعضاء مجلس الشعب فسيكون الضحية هم الشعب.. فهؤلاء يعملون علي كسب الملايين علي حساب قوت من لا يجدون ما يمسك الرمق ولا يطفئ الحرق، لذا من الخير أن يدخل الدين في السياسة.
* هل كان الرسول صلي الله عليه وسلم رجل دين وحاكما في الوقت نفسه؟
- نعم كان يؤم الناس في الصلاة ويحكم بينهم في أمورهم.. وكان يسوس الناس ويقودهم في أمورهم الحياتية، وهكذا سار علي نهجه الخلفاء الراشدون وظل الإسلام ديناً ودولة ١٣ قرناً.
* البعض يقول إن الرسول كان نبي أمة جاء لتعميم الفضيلة والأخلاق وليس حاكم دولة.. والفرق بينهما كبير؟
- بل كان الاثنين معاً فنحن ندرس في علم أصول الفقه تصرفات الرسول صلي الله عليه وسلم، ورأيناه في وقت من الأوقات يتصرف بوصفه المفتي الأعلي والقاضي الأحكم والإمام الأعظم، والإمامة هي الرئيس الأعلي، ونجد علماء السياسة الشرعية عندما يعرفون معني الخلافة يقولون هي «نيابة عن رسول الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» إذن الخلافة دين ودنيا معا، فالخليفة لم يكن سلطة روحية ومعه حاكم أو سلطة زمنية.
* بماذا ترد علي من يقولون إن النصوص القرآنية لم تتضمن المزيد من التفاصيل الخاصة بالحكم ولا كيفيته ولا ماهيته وإنما اهتمت بالشريعة والمعاملات والعقيدة؟
- لأن هذه هي طريقة الإسلام.. يترك في الشريعة أموراً مفتوحة لتكون متماشية مع الأقطار الاسلامية علي اتساعها وعلي امتداد أزمنتها، لأن شريعة الإسلام هي آخر شريعة لذا يجب أن يكون فيها من المرونة ما يسع كل التغيرات، فهناك أمور كثيرة غير الحكم وكيفيته لم يتطرق إليها القرآن وتركها لعقول المسلمين، والرسول صلي الله عليه وسلم يقول «ما حلل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه الله فهو حرام وما سكت عنه فهو عف، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسي شيئاً» ثم تلا قول الله تعالي «وما كان ربك نسيا»، وهذا ما نسميه نحن منطقة العفو أو منطقة الفراغ من التشريع والتي يجتهد العلماء في ملئها بالقياس أو بالمصلحة أو برعاية العرف أو بالاستحسان أو بالاستصحاب.
القرآن بطبيعته في كثير من مواقعه نجده كلياً وليس فيه تفاصيل فمثلاً و«أمرهم شوري بينهم» أو «وشاورهم في الأمر» ولم يذكر لنا آليات الشوري، ومن الذين نشاورهم ولا عددهم ولا في أي أمور نأخذ بالشوري، ترك التفاصيل للعقل الإسلامي، لكل عصر أن يجتهد بما يلائمه، وكل دولة بحسب ظروفها، ومع ذلك هناك أمور وردت في القرآن بمزيد من التفصيل مثل شؤون الأسرة والزواج والطلاق والدين لأنها أمور لا تتغير بالزمن.
* البعض يخشي الحكم بالدين فتعود نظرية «الحق الإلهي» التي ظهرت في الحضارة المسيحية في القرون الوسطي ويصبح كل ما يقوله أو يتخذه الحاكم من قرارات محصناً وغير قابل للنقاش تحت دعوي أنه يحكم بالدين.. ومن يستطيع التجرؤ علي الدين؟!
- نعم نظرية «الحق الإلهي» التي تتحدثين عنها كانت أحد اختراعات الكنيسة الغربية لمزيد من إحكام قبضتها علي الشعوب، وكانت النتيجة أن ظهرت العلمانية في وجه هذه النظرية لتفصل الدين عن الدولة، والمقصود هنا دين الكنيسة التي تحكمت في الناس ومصائرهم، فحينما جاءت النهضة - التي تدين بالفضل إلي الحضارة الإسلامية - كانت الكنيسة هي التي تقف في وجه التقدم وتتبني أفكاراً ضد العلم، وكان العلم والدين في تعارض دائم. الكنيسة وقفت مع الحكام ضد الشعوب ومع الجهل ضد العلم، ومع الإقطاعيين ضد الفلاحين، فكان لابد من الوقوف في وجه الدين الذي كان يقف عقبة في سبيل العلم والحرية فانتصروا علي دين وجمود الكنيسة...
* وكيف انتقلت العلمانية إلي الإسلام؟
- انتقلت من باب التقليد الأعمي بدعوي أن الغرب لم يتقدم إلا عندما تحرر من الدين فعلينا أن نفعل مثلهم وهذا خطأ، لأن دين الغرب غير ديننا، والأزهر غير الكنيسة، والمسيحية غير الإسلام، فالعلم عندنا دين والدين عندنا علم.
والغرب غير الشرق وتاريخهم غير تاريخنا، وقد فرضت العلمانية علي المسلمين بالقوة وبالحديد والنار وبالرصاص وبالسجون، وظهر ذلك جلياً في تركيا، حيث انتصرت العلمانية علي الشعب التركي بهذه الطريقة وبقوة الجيش، وحتي اليوم الجيش هو الذي يحرس العلمانية في تركيا.
* في رأيك إلي أيهما تميل الشعوب العربية: الحكم الإسلامي أم العلماني؟
- الشرق عموماً مازال يرفض هذه الفكرة فلو عملت استفتاء في مصر نصه: هل ترضي بالعلمانية أم بالشريعة الإسلامية لحكم مصر؟ طبعاً الأغلبية ستشير إلي الشريعة الإسلامية، وعندما أتحدث عن الشريعة الإسلامية فيجب أن نفهمها فهماً صحيحاً في ضوء اجتهاد عصري صحيح وليس في ضوء الجمود والانغلاق.
* ألم يكن تزايد الاتجاه إلي العلمانية بسبب عدم وجود شخصيات إسلامية جيدة قادرة علي تسيير الأمور وحكم البلاد؟
- دولنا كلها تحكم بالعلمانية، ولا توجد دولة تقول بأنها تحكم بالشريعة الإسلامية إلا السعودية.. فإذا كان هناك خلل في الحكم فهو بسبب العلمانية وليس حكم الإسلام.
* ومع ذلك لم تقدم السعودية نموذجاً يحتذي به في الوطن العربي؟
- ولا البلاد الأخري التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية، مثل سوريا والعراق ولا مصر، فلا أحد منهم تقدم وهم يحكمون بالعلمانية.. الشريعة الإسلامية لا تحكم وحدها بل عن طريق رجال، لذا يجب أن نربي رجالاً قادرين علي الحكم.. نحن نقول الآن في مصر إننا نحكم بالديمقراطية فهل نحن نحكم بالديمقراطية فعلاً؟ هذا ليس عيباً في الديمقراطية، إنهم يتبعون ديمقراطية الثلاث تسعات، وهذه ليست ديمقراطية فنحن كما ندعي الديمقراطية ولا نحققها، ندعي أيضاً الإسلام ولا نحققه.. وحتي الآن لم نجد دولة واحدة تقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية باجتهاد عصري صحيح. ولكن عموماً الإسلاميون أكثر قبولاً لدي الشعوب العربية والإسلامية.
* ما الدولة التي تعتبرها تطبق الحكم الإسلامي كما يجب أن يكون؟
- ولا دولة.
* أليس غريباً أن تقول إنه لا توجد دولة إسلامية بحق في العالم كله، أليست مسألة تستحق التوقف؟
- إذا لم يسع الناس إلي إيجاد النموذج الإسلامي، فإنه لن ينزل لهم من السماء.. الدولة الإسلامية يجب أن يقيمها المسلمون وإن لم يسعوا لذلك فلن تقوم، فهي مسؤولية المسلمين قبل كل شيء.. يجب أن يتعاونوا فيما بينهم ويتوقفوا عن سوء الظن في بعضهم البعض، وأن يتشاركوا ويتفاهموا.
* وكيف تقيم تجربة الحكم في ماليزيا التي مزجت بين الحكم العلماني وتطبيق الشريعة الإسلامية، وما وصلت إليه من تقدم وازدهار ملموس عالمياً؟
- ماليزيا نموذج له طبيعة خاصة، لأنه يقوم علي عناصر مختلفة منهم الملاويون وهم أصل البلاد ويمثلون حوالي ٥٥% من عدد السكان، إلي جانب العنصر الصيني والهندوسي وباقي الأقليات، وحتي تنجح في التعامل مع هذا التآلف وهذه التعددية حكمت بالعلمانية، ولكنها علمانية غير متطرفة وليست ضد الدين الإسلامي، إضافة إلي إخلاص ماليزيا في التنمية فقد اتبعت المنهج العلمي واستغلت قوة العنصر الصيني المسيطر حقيقة علي معظم ثروات البلاد، رغم أن الملاويين المسلمين هم الأغلبية فالفنادق والبنوك والأبنية الضخمة ملك الصينيين، وهو ما يجعلنا حذرين من التجربة الماليزية، ولكنها حققت التنمية وإن كانت ليست النموذج الأمثل الذي ننشده وأتمني أن تحاول ذلك في المستقبل.
* قلت إن العلمانية في ماليزيا غير مضادة للدين، فهل يمكن أن تكون العلمانية غير مضادة للدين؟
- أقصد أنه كما توجد أنواع من العلمانية المتطرفة المعادية للدين، مثل العلمانية الماركسية التي هي دائماً معادية للدين، وتعتبره أفيون الشعوب هناك علمانيات هادئة لا تضطهد من يدينون بالدين الإسلامي ووسطية في ممارستها الحكم.
* وأين تري العلمانية المتشددة؟
- في تركيا وتونس، فهما نموذجان للتطرف العلماني في مواجهة الإسلام.. فمثلاً الحكومة الديمقراطية المنتخبة في تركيا كاد يطاح بها بحكم محكمة، وهي طبعاً محكمة أسسها علمانيون.
* إذا لم تستطع المحكمة العلمانية التغلب علي أردوغان وجول بانتماءاتهم االإسلامية في تركيا إلا أن العسكريين تغلبوا علي حكومة ديمقراطية منتخبة، وأزاحوها بين ليلة وضحاها في موريتانيا الدولة الإسلامية؟
- المشكلة أن الكثير من البلدان العربية يحكمها العسكريون من وراء ستار.. ففي موريتانيا بمجرد أن حاول الرئيس المنتخب أن يستخدم سلطاته ويعزل رئيس الأركان ورئيس الحرس، انقلبوا عليه.
وهذا ما فهمه وأدركه رجب طيب أردوجان وعبدالله جول في تركيا، فهما يملكان سلطة تغيير أعضاء المحكمة ووضع عدد من القضاة الإسلاميين بدلاً منهم، ولكنهما خافا لأنهما لو فعلا ذلك ستيدخل قادة الجيش، فهم الحكام الفعليون في منطقة الشرق الأوسط والبلاد العربية.
* لماذا وضعت تونس ضمن هذه القائمة رغم أنها دولة عربية إسلامية؟
- العلمانية التونسية شديدة التطرف، فهي مثلاً تري أن من يصلي الفجر مضاد للدولة، يجب أن يوضع علي القائمة السوداء، والمرأة المحجبة تمنع من دخول المدرسة والجامعة ودخول القطاع العام، ولا تستطيع أن تلد في مستشفي حكومي إلا إذا خلعت الحجاب، لذلك تعد نموذجاً للعلمانية المضادة للدين الإسلامي.
* وماذا عن العلمانية المصرية؟
- معقولة، فهي تحكم بغير ما هو في الشريعة، ولكنها تترك الناس، كل واحد حر، وإن كانت لا تخلو من بعض المضايقات والاضطهاد كمنع المذيعة المحجبة من الظهور علي شاشة التليفزيون المصري.. ومطاردة الجماعات الإسلامية.
* هل يراعي الدستور المصري الشريعة الإسلامية؟
- الدستور الحالي لا أستطيع أن أحكم عليه لأنني لم أقرأه قراءة مستوعبة، ولكن أعتقد أن من أكثر الدساتير التي كانت تراعي الشريعة الإسلامية في التاريخ المصري الحديث هو دستور ٢٣، إما مراعاة مباشرة أو بشكل غير مباشر، بحيث لا يكون مضاداً تماماً للشريعة.
* ما القوانين التي تراها ضد الشريعة؟
- القوانين التي تبيح الربا وتعطل الحدود، والقوانين التي تبيح الخمر والخلاعة ولا تضع لهما حدوداً، وقوانين تقييد حرية الإنسان مثل قوانين الإرهاب والطوارئ، وهي مخالفة للشريعة الإسلامية مخالفة بينة.
* في رأيك.. لماذا الخوف من وصول الجماعات الإسلامية إلي كرسي الحكم؟
- المجتمع الإسلامي ليس رافضاً للجماعات الإسلامية، بل يرحب بهم، وفي وقت من الأوقات أقبل الناس علي انتخاب الإسلاميين وحصلوا علي ٨٨ مقعداً في البرلمان المصري من حوالي ١٠٠ منطقة رشحوا أنفسهم فيها، أي حوالي ٨٠% من المناطق التي تنافسوا عليها رغم عدم وجود ديمقراطية، والأصل في الأزمة أن الحكام هم الذين لا يريدون أن يتزحزحوا عن مناصبهم.
* وهل أنت شخصياً مقتنع بكفاءتهم للوصول إلي الحكم؟
- نعم ماداموا سيحكمون وفقاً للشريعة.. ولكن فلنقل إنني أساساً مع الديمقراطية، وأن يختار الشعب من يحكمه، يختار الإسلاميين.. يختار الديمقراطيين، أو القوميين، المهم أن يكون للشعب حق الاختيار، وإن أساءت الشعوب الاختيار فعليها تحمل مسؤولية اختيارها.
* مثلما حدث مع حماس؟
- حماس لم تستطع أن تحقق ما تريد، ومنذ يوم وصولها إلي السلطة يحاصرونها بالمشاكل، ولم يمكنوها من عمل شيء، وكما قال الكاتب فهمي هويدي فإنها لم تكن طرفاً في الانقلاب، بل قامت ضد الانقلاب، لأنه كان يدبر لها انقلاب، فسبقت وقامت هي به أولاً، وقالت: «أتغدي بيهم قبل ما يتعشوا بي»، ومع ذلك هناك أمور وتفاصيل كثيرة لا أحب الدخول فيها لكنني أدعو الجميع في فلسطين إلي الوقوف صفاً واحداً، فحرب الفلسطيني للفلسطيني من المحرمات.
وعلي أي حال، تجربة حماس ليست التجربة الإسلامية المنشودة في الحكم، وليست النموذج برغم أنها لم تتمكن - كما قلت - من فعل ما يمكننا من الحكم علي نجاحها أو فشلها.
* إذا كنت مع وصول الإخوان إلي الحكم لماذا خرجت من عباءتهم، وهل هذا يعني خلافاً غير ظاهر بينكما، أو عدم رضا عن أدائهم؟
- خرجت من تنظيم الإخوان المسلمين لأنني لا أريد أن أحصر جهودي في جماعة معينة، وأريد أن أخدم الأمة بأكملها، ففي وقت من الأوقات عرضوا علي منصب المرشد العام للجماعة واعتذرت، أفضل أن أكون مرشداً للأمة بدلاً من أن أكون مرشداً لجماعة معينة.. لكنني أؤازرهم وأدعمهم وأنصحهم.
* ولكنك تعيب علي الإخوان المسلمين من حين لآخر.. وأذكر عنك انتقادك لهم لاستغراقهم في العمل السياسي الذي يستهلك جل طاقتهم وإغفالهم العمل الاجتماعي؟
- نعم، فهم لم يعدوا العدة ليندمجوا في الشعب كما يجب، ولا فهموا احتياجات الشارع كما ينبغي.. وانشغلوا بالسياسة.. وانتقادي لهم من باب التقويم، وأنا والحمد لله لا أميل للمغالاة ولا أرضي بالتفريط ولا بالتشدد.
* وهل ملحوظاتك هذه علي الجماعات الإسلامية هي التي جعلتك تؤلف كتابك «فقه الأولوليات»؟
- ما كتبته في كتابي هذا طويل المدي في أفكاره حتي ٣٠ عاماً قادمة، فقد كنت مهتماً بأولويات المجتمع الإسلامي ككل في المرحلة القادمة، ومن بينها أولويات الحركات الإسلامية في العقود الثلاثة القادمة، فكتبت هذا الكتاب وتناولت الأولويات في الجانب الفكري والسياسي والتربوي.
* وماذا جاء علي رأس أولويات الجماعات الإسلامية؟
- العلم، لا يمكن أن نتقدم إلا بالعلم، والإسلام يحثنا علي اتباع المنهج العلمي، وليس مجرد الحصول علي الشهادات، بل منهج وروح يجب أن يسيطر علينا ويشملنا، والبعد عن عاطفية والغوغائية والارتجالية، عليهم بالتخطيط والإحصاء ولغة الأرقام.. عليهم الانغماس في الشارع وتفهم احتياجاته.
* هل تعتبر الإخوان حزباً سياسياً في وضعهم الحالي؟
- ماداموا مشغولين بهموم الأمة ومسألة الحكم ودخول الانتخابات فهم حزب سياسي أراد الآخرون أم لا.. هم يقومون بكل الممارسات الحزبية وأنا أعتبرهم «حزب وزيادة شوية».
* بمعني؟!
- لديهم اهتمام أكثر بالجانب التربوي والأخلاقي، إلي جانب السياسة، وهذا ما يميزهم عن باقي الأحزاب.
* رغم أنهم غير معترف بهم وليست لديهم شرعية كباقي الأحزاب؟
- الشرعية الحقيقية هي التي يمنحها لك الشارع وليس الحاكم، والأحزاب الموجودة الآن غير حقيقية.. فالأحزاب تنشأ أولاً ثم تأتي بالحكومة، ولكن هذه أحزاب أنشأتها الحكومة، فهي مصطنعة تقوم علي المنفعة، والحزب الوطني ليس حزباً حقيقياً، بل حزب تكون أعضاؤه ممن لهم مصالح ويريدون الانتفاع بدخولهم فيه وليس عن إيمان بمبادئه.
-------------------------
نشر في المصري اليوم 8-9-2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=177767
------------------
الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ٢ - ٢:
نصيحتي للرئيس مبارك:
لا تمدد ولا تورث.. ولا تظلم ابنك بالحكم
----------------------------------
حوار رانيا بدوي ٩/ ٩/ ٢٠٠٨
---------------------------------

يقول الشيخ يوسف القرضاوي إن من حق كل امرئ في الشعب أن ينصح الحاكم، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، مراعياً الأدب الواجب في ذلك، وأن يطيعه في المعروف، ويرفض الطاعة في المعصية المجمع عليها، أي المعصية الصريحة البينة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وجوهر الديمقراطية أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكماً يقودها رغم أنفها. وهو ما قرره الإسلام عن طريق الأمر بالشوري والبيعة، وذم الفراعنة والجبابرة، وأمر باتباع السواد الأعظم، وأن يد الله مع الجماعة، وقول الرسول لأبي بكر وعمر: «لو اتفقتما علي رأي ما خالفتكما» إذ سيمثلان صوتين أمام واحد.
ويضيف الشيخ القرضاوي قائلاً: ما يهمنا في الديمقراطية هو ضماناتها وآلياتها التي تمنع أن تزيف وتروج علي الناس بالباطل، فكم من بلاد تحسب علي الديمقراطية، والاستبداد يغمرها من قرنها إلي قدمها، وكم من رئيس يحصل علي (٩٩%)، وهو مكروه كل الكراهية من شعبه.. وإلي الجزء الثاني من الحوار.
* دكتور يوسف كيف لي كمواطنة عادية أن أنصح الحاكم وآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر في ظل تعقيدات النظام السياسي وصعوبة الوصول للرئيس بل سيطرة الأجهزة الأمنية؟
- الحاكم عندنا ليس مقدساً ولا يحكم بالحق الإلهي أو باسم السماء، فهو حاكم من الناس وكما قال سيدنا أبوبكر: «وليت عليكم ولست بخيركم إن رأيتموني علي حق فأعينوني وإن رأيتموني علي باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».. وقال سيدنا عمر بن الخطاب: «من رأي في منكم اعوجاجاً فليقومني» وقال عمر بن عبدالعزيز: «إنما أنا واحد منكم غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً»، الشعب هو الذي اختار الحاكم لذا من حق الشعب أن ينصحه ويقومه إن اعوج.
* يا شيخنا هذا كلام نظري نكتبه ونقرؤه ولكن كيف أصل بصوتي ورأيي للرئيس وأنا مواطن لا حول لي ولا قوة؟
- يمكن أن أنصح الرئيس بالمباشرة إن استطعنا الوصول إليه أو ننصحه من علي المنبر يوم الجمعة أو في وسائل الإعلام والفضائيات والصحف.
عندما أتحدث عن المواطن لا أقصد كل فرد بنفسه، ولكن عن طريق الآليات المتاحة له، هذه الأمور تحتاج إلي آليات، ففي البلاد الغربية أوجدوا آليات لعزل الحاكم إذا خرج عن الدستور بأغلبية أعضاء البرلمان، لذا يجب أن يكون لدينا نحن أيضاً هذه القدرة التي تبدأ بالاختيار الصحيح لأعضائنا ليكون لدينا برلمان حقيقي يستطيع أن يقول للحاكم لا... لكن إذا كان الحاكم يضع البرلمان في جيبه كما هو الآن ويضمن الموافقة والتصفيق علي كل ما يريده فكيف سنعزله إذا أخطأ.
* وهل هذا ممكن؟
- باكستان استطاعت بالضغط الشعبي وبالمظاهرات السلمية أن تقيل الرئيس وتجبره علي الرحيل، ولكننا لم نصل حتي إلي مستوي الديمقراطية الباكستانية.. فلم نجد في بلادنا رئيساً يكتفي بمدة ولا حتي اثنتين بل يريد أن يبقي أبد الدهر وإن تخلي عن المقعد يريد أن يورثه لأبنائه.
* وهل نصحت الرئيس من قبل؟
- لم أقابل الرئيس مبارك سوي مرة واحدة في مناسبة عامة، أما الأمير القطري فأقابله كثيراً وأنصحه واقترح عليه بعض الأمور، وكذلك نصحت الرئيس الليبي معمر القذافي في إحدي المرات بأن يوقف حكماً علي بعض الإسلاميين بالإعدام، لأن الإعدام لا مرد له ولو خسرنا الإنسان لن نستعيده مرة أخري، ولكن ربما الحكم عليه بالمؤبد يرد سلوكه أو نكتشف بعد ذلك براءته فهو أمر مردود، وقد استجاب القذافي وتصالح مع الإسلاميين بناء علي نصيحتي وهكذا الرئيس الأسد، وأحياناً أنصح الرؤساء ورجال الأعمال والحكومات من علي المنبر، فمثلاً في قطر وجدت أن الناس غالت في إيجارات المنازل فتكلمت في أكثر من خطبة علي هذه القسوة وهذا الظلم الذي يمارسه أصحاب الملايين.
* بماذا تنصح الرئيس مبارك إذن؟
- أنصحه أن يستجيب للناس وأن يتخلي عن فكرتي التوريث والتمديد.. فلا يمدد لفترة رئاسية جديدة ويترك الحرية للناس لاختيار الرئيس القادم، ولا يورث ابنه الحكم، فلماذا يحمل ابنه هذه المسؤولية الخطيرة فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قالوا له رشح عبدالله ابنك قال: «بحسب آل الخطاب أن يحمل المسؤولية منهم واحد، وودت أن أخرج منها كفافاً لا لي ولا علي» فكيف للرئيس مبارك أن يحمل نفسه المسؤولية ويحمل أولاده من بعده.
* كيف تري الوضع الاقتصادي الآن في مصر في ظل الشريعة الإسلامية؟
- الحكومة تطبق العلمانية في كل شيء ومنها الاقتصاد ولن ينصلح حال هذا الاقتصاد ولا اقتصاد باقي الدول العربية إلا بالإنتاج والابتعاد عن كل ما يغضب الله من ظلم الناس واحتكار للسلع واستغلال الأقوياء للضعفاء.
الاقتصاد الاسلامي قائم علي عدالة التوزيع والموازنة بين الإنتاج والاستهلاك، نحن دول تستهلك ولا تنتج وتستورد ولا تصدر علينا بزيادة الإنتاج من جانب ونعلم أمتنا كيفية ترشيد الاستهلاك من جهة ثانية، فالرسول صلي الله عليه وسلم قال: «إذا وقعت اللقمة من أحدكم فليمط عنها الأذي وليأكلها ولا يتركها للشيطان».
ولو جمعنا فضلات الناس الناتجة عن استهتارهم وسفه استهلاكهم فإنها تساوي مليارات الجنيهات.
* لك رأي واضح في تحريم فوائد البنوك بأنها الربا الحرام فكيف أستثمر مالي وأنا لا أفهم في مجال الأعمال؟
- الحل إما أن يشغلها البنك بطريقة إسلامية أو أن تذهبي إلي بنك إسلامي. وهذا ليس رأيي وحدي بل رأي جمهور العلماء الذين يقولون إن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
* هل الضرائب تغني عن الزكاة؟
- لو أن مصر دولة إسلامية حقاً كانت ستدفع الزكاة أولاً وتحرص عليها وتكمل بالضرائب، فالزكاة لن تكفي لأنها نسبة معينة ٢.٥% من المدخرات والتجارات وهي نسبة لا تستطيع أن تكفي دولة للإنفاق علي بناء السدود والقناطر والطرق والمواصلات، ومن الممكن أن تخصم الزكاة من الضرائب إذا دفعها المواطن ففي أمريكا وبعض الدول الأوروبية الشخص الذي يدفع للجمعيات الأهلية يخصمونها من الضرائب ولكن لا الزكاة تغني عن الضرائب ولا الضرائب تغني عن الزكاة، ولكن للضرائب مقننات وليس للدولة أن تثقل علي مواطنيها بالضرائب بما لا يتوازن مع دخولهم.
* أشرت في الحلقة السابقة إلي أن هناك منطقة في الدين تسمي «الفراغ من التشريع» ليجتهد علماء كل عصر بما يتناسب وعصرهم ولكنها من ناحية أخري كانت سبباً في الاختلاف بين علماء المسلمين في بعض الأمور، وصل إلي البلبلة والشتات في أمور كثيرة؟
- لكي يكون الاجتهاد مقبولاً يجب أن يكون من أهله وفي محله.. من أهله تعني أن يكون الشخص جامعاً لشروط الاجتهاد، عالماً بالقرآن وبالحديث، عالماً في اللغة العربية ومتمكناً منها، عالماً بأصول الفقه والقياس ومقاصد الشريعة، يعرف المتفق عليه والمختلف عليه في الفقه وفي الأحاديث، فلا يجب أن يأتي إنسان لا يحسن قراءة سطرين من كتاب من كتب أصول الفقه أو التفسير، لا يعرف في النحو والصرف والبلاغة، ليجتهد في الشرع، لكل علم أصول وقواعد، هل يستطيع مهندس أن يتحدث في الطب.. أو طبيب في المحاسبة، أو عالم ذرة في طب الجراحة، لماذا إذن جعلنا من الدين مجالاً لكل من يعرف ومن لا يعرف، وشأن مباح، بل باب من غير بواب.
أما في محله فهي تعني أن يكون الاجتهاد في منطقة الاجتهاد، فلدينا منطقة مغلقة لا يصح فيها الاجتهاد وهي الأحكام القطعية. أما الاجتهاد ففي مجال الأحكام الظنية.. ومعظم الأحكام ظنية.
* كيف لنا أن نعرف صاحب أهلية الاجتهاد فيما الفضائيات تضج بالمشايخ والدعاة؟
- الإنسان عندما يمرض ابنه يظل يسأل عمن هو أفضل طبيب فيذهب لمن يجتمع عليه الناس ويجمعون علي خبرته، فلماذا نتكاسل فيما يخص الدين، فلنأخذ ممن عرف عنهم العلم والخبرة، ونبعد عمن يفرخون الفتوي لإرضاء السلطة، والبعد عن علماء السلطة وعملاء الشرطة ونأخذ ممن معروف عنه الثقة.
* فتح باب الدين والاجتهاد لكل من هب ودب - حسب قولك - هل تعتقد أنه مقصود أم أنه تقصير من العلماء؟
- تقصير ممن بيدهم الأمور والمسؤولون عن تأهيل العلماء للظهور للناس فأحياناً يظهر شخص في فضائية من الفضائيات وهو ليس أهلاً ولكن لأنه قريب الوزير الفلاني أو نسيب المسؤول الفلاني فيقدمونه ويؤخرون من هو أولي منه.
وإذا كنت أري أن العلماء عليهم قدر من المسؤولية إلا أن المجتمع أيضاً مسؤول، فإذا قال المجتمع هذا لا يصح، لن يظهر ثانية، فلا أحد يستطيع أن يقاوم رغبة المجتمع.
* وأين دور الأزهر في الرقابة والتأهيل؟
- الأزهر لا يملك هذا فهو لا يملك التليفزيون ولا الإذاعة، وإنها وسائل في يد الدولة، والعلماء موظفون لدي الدولة لا حول لهم ولا قوة.
* وكيف تحول العالم من راد لجنوح الحاكم إلي مجرد موظف تحركه الدولة؟
- العلماء في الماضي كانوا أقوياء لأن الأوقاف كانت في أيديهم وكانوا يأخذون رواتبهم من الأوقاف أما الآن الأزهر وعلماؤه ليس في يدهم أي أوقاف فهي في يد الدولة.. ومن يملك راتبي يتحكم في..
وهذا ما يفسر قوة علماء الشيعة مقارنة بعلماء السنة، لأنهم ليسوا موظفين عند الدولة بل يأخذون رواتبهم من الشعب الشيعي، فهو يعطي ٢٠% من صافي الدخل للإمام أو للمرجع الديني، لذلك فإن علماءهم أغنياء ولديهم مليارات، لكن الموظف هنا إذا غضبت الدولة عليه تحجب عنه، وإذا رضيت عنه منحته، فمن شيخ الأزهر مروراً بالمفتي ورئيس جامعة الأزهر من أكبر عالم إلي أصغر عالم كلهم موظفون لدي الدولة.. ليست لديهم قوة، فالحسن البصري كان من أكبر العلماء وكان ناقداً للحكام والولاة في عصره..
وسأل الأشخاص من بني أمية: ما سر قوة هذا الرجل؟! فأجابه أحد الأعراب: سر قوة هذا الرجل أن لديه مالاً لذا احتاج الناس إلي علمه ودينه واستغني هو عن دنياهم.. والكارثة أن يكون العالم في حاجة إلي مال الحاكم والحاكم في غني عن علمه ودينه وهذا سر ضعف علماء المسلمين السنة عامة وعلماء الأزهر خاصة.
* أيهما تري أنه الأخطر والأكثر نفاذاً: المد الوهابي أو المد الشيعي؟
- في السنوات الأخيرة اشتعل الفكر الوهابي بقوة وكان له دعاة ومدعمون والعيب فيه هو التعصب له ضد الأفكار الأخري وهو قائم علي المذهب الحنبلي، ولكنهم لا يرون ولا يؤمنون إلا برأيهم فهم يعتبرون أن رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرهم خطأ لا يحتمل الصواب..
أما الشيعة فهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السني وهم مهيئون لذلك بما لديم من ثروات بالمليارات وكوادر مدربة علي التبشير بالمنهج الشيعي في البلاد السنية خصوصاً أن المجتمع السني ليست لديه حصانة ثقافية ضد الغزو الشيعي فنحن العلماء لم نحصن السنة ضد الغزو المذهبي الشيعي لأننا دائماً نعمل القول «ابعد عن الفتنة لنوحد المسلمين» وتركنا علماء السنة خاوين.
للأسف وجدت مؤخراً مصريين شيعة، فقد حاول الشيعة قبل ذلك عشرات السنوات أن يكسبوا مصرياً واحداً ولم ينجحوا، من عهد صلاح الدين الأيوبي حتي ٢٠ عاماً مضت ما كان يوجد شيعي واحد في مصر، الآن موجودون في الصحف وعلي الشاشات ويجهرون بتشيعهم وبأفكارهم. الشيعة يعملون مبدأ التقية وإظهار غير ما بطن وهو ما يجب أن نحذر منه، وما يجب أن نقف ضده في هذه الفترة أن نحمي المجتمعات السنية من الغزو الشيعي، وأدعو علماء السنة للتكاتف ومواجهة هذا الغزو لأني وجدت أن كل البلاد العربية هزمت من الشيعة: مصر، السودان، المغرب، الجزائر وغيرها فضلاً عن ماليزيا وأندونسيا ونيجيريا.
* هل الخلافات الدينية بيننا وبين الشيعة بسيطة أم أنها في أصل الدين؟
ـ الخلاف في الأفرع ليس مهما لكن الخلافات في العقيدة هي المهمة. فكثير منهم يقول إن القرآن الموجود هو كلام الله ولكن ينقصه بعض الأشياء مثل سورة الولاية، نحن نقول إن السنة سنة محمد أما هم فلديهم سنة المعصومين محمد والأئمة الأحد عشر، ويعتبرون سنتهم مثل سنة محمد.. نحن نقول أبوبكر رضي الله عنه وعمرو رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها وهم يقولون لعنهم الله.. فهم يرون أن الرسول قبل أن يموت أوصي علي ابن أبي طالب أن يكون الخليفة من بعده.. ويعتبرون الصحابة خانوا الرسول ووصيته واختاروا آخرين.
* كيف يكون هناك خلاف في العقيدة وهي أصل الدين ومع ذلك يكونون مسلمين؟
ـ هم يؤمنون بالله والقرآن والرسول.
* إذا كان الشيعة ينكرون أصولاً في العقيدة ومع ذلك تعتبرهم مسلين فلماذا لا نفعل الأمر نفسه مع القرآنيين بدلاً من تكفيرهم؟
ـ من قال إنه لا يؤمن بالسنة كافر، لأن معني هذا أنه لا يؤمن أن الصلوات خمس وصلاة الظهر أربع ركعات، والصبح ركعتان وإلا كيف عرف فهي تفاصيل لم تذكر في القرآن بل في السنة.. من ينكر السنة فهو كافر.
* ثار مؤخراً جدل شديد حول نقل الأعضاء بين المسلم والكتابي وقد أفتي البعض بحرمانيته فما رأيك؟
ـ نقل الأعضاء أفتي بجوازه عدد من المجامع الإسلامية ولكن بشروط، إما نقل من ميت أوصي بأعضائه أو موتي الحوادث أو حي يتبرع لحي.. وكان أحد شروط التبرع أن يكون للأقرباء بدرجات معينة لذا من الطبيعي أن الكتابي ليس في القائمة ومن هنا جاء عدم جواز الأمر وليس لكونه كتابياً.. ولكن الشيء الذي أجمع الجميع علي حرمانيته هو بيع أجزاء من الجسد مقابل المال والحرمانية هنا تقع علي البائع والمشتري.
* حتي ولو تم ذلك تحت ضغط الفقر؟
ـ حتي تحت ضغط الفقر لا يجوز للإنسان بيع أعضائه بأي حال من الأحوال، لأنها ليست ملكه.
* وماذا عن ميراث الكتابية هل من حقها أن تحصل علي ميراث من زوجها المتوفي؟
ـ لا ولكن من حق زوجها أن يرث فيها.
* وهل هذا عدل؟
ـ يقام العدل عن طريق الوصية فالدين أمر الزوج بأن يكتب لزوجته الكتابية وصية، يقول المولي عز وجل «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين» والرسول قال: لا وصية لوارث.. وفسرها الرسول بأن المقصود بالوصية لغير المسلمين. سواء زوجة أو والد أو والدة من الكتابيين».
* ولو لا قدر الله مات الزوج فجأة قبل أن يكتب لزوجته وصية؟
ـ فكر الشيخ القرضاوي قليلاً ثم قال: نستطيع في هذه الحالة أن نطلب تشريعاً خاصاً واستثنائياً لمعالجة مثل هذه الأمور، ولكن الأصل أن الزوج المسلم يوصي لزوجته الكتابية.
* لك فتوي أثارت الجدل حول تحليلك الغناء.. فهل مازلت مصراً علي رأيك رغم الهجوم عليك؟
ـ نعم.. ولكن الغناء الذي حللته حددت شروطه بأن يكون موضوع الغناء نفسه مقبولاً إسلامياً، لا يخالف العقيدة ولا الشريعة، فلو أن هناك أغنية تشكك في العقيدة مثل طلاسم إيليا أبوماضي التي يقول فيها «جئت لا أعلم من أين ولكن أتيت، ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري.. إلي آخرها»، أو قول أبونواس و«داوني بالتي كانت هي الداء» ويقصد الخمر أو أن يغني أحد ما قاله شوقي: «رمضان ولي هاتها يا ساقي.. مشتاقة تسعي إلي مشتاق». أو أن عبدالحليم حافظ يغني «أبوعيون جريئة» والإسلام يدعو إلي غض البصر.. أي أغنية تخالف عقائد أو آداب الإسلام أرفضها، ومن ناحية الآداب يجب أن ألا تكون في الأغنية ميوعة ولا تكسر ولا إغراء، فالقرآن يقول: «فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض».
* ماذا عن شعر الغزل؟
- الرسول سمع من قبل شعراً للغزل، فلا بأس، المهم ألا يكون مكشوفاً.. كما لا يجب أن لا يختلط الغناء بما هو محرم من شرب أو رقص، فنحن نجد الآن كل أغنية فيها بنات يتراقصن أمام المطرب بشكل خليع.
* وهل تلاوة المرأة للقرآن أمام الرجال مباحة؟
- لا مانع فيها.
* إذن صوت المرأة ليس عورة؟
- لا ليس عورة.. كيف يكون عورة والله تعالي يقول: «وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب».. السيدة عائشة كانت تفتي وتروي الأحاديث وترد علي أسئلة الصحابة.
* ما رأيك في الفتوي التي أصدرتها هيئة الشؤون الدينية التركية التي تجيز استخدام اللاصق الطبي خلال نهار رمضان؟
- إذا كان المراد من هذا اللاصق الطبي تقليل الشعور بالجوع خلال الصيام، فإن استخدامه مكروه، لكنه لا يبطل الصوم. فاستعمال اللاصق يقلل من الحكمة التي أرادها الشارع من الصوم ،مثل تحمل المشقة والشعور بمعاناة الفقراء، ورأيي أن استخدام هذا اللاصق يقلل من أجر الصائم.
----------------
نشر في المصري اليوم 9-9-2008
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=177870
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
