‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاروق الباز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فاروق الباز. إظهار كافة الرسائل

د. فاروق الباز



مستوى البحث العلمى المصرى «واطى جداً» ونعيش مرحلة حرجة من «الارتباك السياسى»
---------------------------------------------
أجرت الحوار رانيا بدوى ١٦/ ٤/ ٢٠١١
---------------------------------------------

لا شك أن حواراً مع رجل بقامة الدكتور فاروق الباز، يغرى بالإبحار فى عالم متدفق بالرؤى والأفكار.. كان لابد أن نسأله عما يجرى فى مصر بعد ثورة ٢٥ يناير، والمستقبل العلمى لمصر.. وفى خضم الاهتمام بالسياسة قررنا أن نراجع مع الدكتور الباز ما طرحه فى سنوات سابقة حول قضايا كثيرة، وفى مقدمتها مشروعه حول ممر التنمية وركزنا فى الحوار معه حول العلم ونظرياته والمستقبل البيئى لهذا البلد. وكان لافتاً أن «الباز»- عبر الحوار- نسف كل الأفكار العلمية القائلة بالجفاف والمجاعة المائية، وزف لنا خبراً سعيداً رغم تأكيده على غرق الدلتا هو أن السبع سنوات المقبلة ستشهد هطولاً للأمطار وغزارة فى مياه النيل تكفى لزراعة متوسعة وإنتاج وفير، إذا أردنا ذلك، لكن فاجأنا بالقول بأنه يؤيد فكرة تأجيل المشروع النووى، الذى طالما حلمنا به لعدم قدرتنا على التعامل مع المشروع من ناحية ومع نفاياته من ناحية أخرى والتى قد يؤدى دفنها إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، ومن ثم تعرضنا للزلازل.. وإلى نص الحوار:

■ اسمح لنا بأن نبدأ بسؤال الحاضر، ما رأيك فى كيفية إدارة المرحلة الانتقالية الحالية؟

- المرحلة الانتقالية لجميع الثورات هى مرحلة حرجة، يترتب عليها نجاح الثورة فى تحقيق آمالها، بشرط أن نفكر بتأن، ونستعد للبدائل على الدوام، أعنى بذلك أن يكون هناك مخطط علمى واقتصادى وسياسى للوصول إلى الغرض المنشود فى وقت محدد، مع إعداد خطط بديلة معدة مسبقاً لتغيير المسار، هذا ما تعلمناه من أعظم وأنجح برامج «ناسا» على الإطلاق، وهو مشروع «أبوللو» لنزول الإنسان على سطح القمر، فكل خطوة فى البرنامج كان لها بديل إذا لم تنجح، وفى معظم الأحيان كان هناك بديل للبديل!.. هكذا نستطيع تغيير المسار ولو قليلاً حتى نصل إلى بر الأمان لمصر وشعبها.

■ كيف تقرأ المشهد السياسى العام والخلافات حول الإعلان الدستورى والمظاهرات المليونية وغيرها؟

- إن لم تكن التعديلات الدستورية والإعلان الدستورى، تكفى شباب الثورة فعليهم أن يخرجوا بالبديل، أى أن يخططوا لما يلزم من عمل، لكى يصلوا إلى الغرض المنشود مستقبلاً- إذا لم يكن هذا العام، فماذا يلزم للعمل فى المستقبل، وهكذا- أى التخطيط للبدائل.

ولا شك أننا نمر بحالة من الارتباك السياسى، لأنه لم تكن هناك قوى سياسية فى مصر منذ بزوغ ثورة ١٩٥٢، فقط حزب أوحد لم يسمح للغير بممارسة السياسة، لذلك فنحن نفتقر للفكر السياسى على وجه العموم.

■ يكثر الحديث بعد الثورة عن الإصلاح السياسى.. بينما لم توضع بعد أى خارطة طريق لشكل مصر فى العلوم والتكنولوجيا والأبحاث.. ما تعليقك؟

- نعم.. يشغل الإصلاح السياسى معظم الفكر المصرى اليوم، وفى حقيقة الأمر فإن الإصلاح لن يتم فى عام أو عامين، وربما يتطلب الأمر جيلاً كاملاً، ولكن لابد من البدء الآن، فى نفس الوقت يجب أن نعلم أن العمل السياسى لا ينضج إلا إذا ازداد علم الناس ومعرفتهم.. لذلك يجب أن نبدأ بإصلاح التعليم ومحو الأمية، مع دعم البحث العلمى فى إطار خطة محكمة طويلة المدى لكى يخدم العلم والبحث العلمى متطلبات مجتمع المعرفة.

■ إلى من ستعطى صوتك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

- لن أعطى صوتى إلى شخص ما، وإنما سأعطى صوتى لأحسن البرامج الرئاسية المعلن عنها على الملأ بواسطة من يرشحون أنفسهم.

■ مليونية الجمعة الماضى اتهمت المسؤولين بالتباطؤ فى محاسبة رموز النظام السابق.. هل توافقهم الرأى.. وما المطلوب لتطهير البلاد؟

- علينا أن نثق بأهل القانون فى مصر، ونعطيهم مسؤولية محاسبة من يثبت عليه الإجرام فى حق الشعب من رموز النظام البائد، وإذا لم يقوموا بذلك بكل أمانة، علينا أن نحاسبهم آنذاك على عدم القيام بدورهم المهنى.

■ وزارة الكهرباء تبحث تأجيل التعاقد على أول محطة للإنتاج النووى السلمى بسبب الوضع السياسى والاقتصادى الراهن فى مصر.. وتخوفاً مما حدث فى اليابان.. ما تعليقك؟

- هذا فى نظرى أمر طيب جداً، ليس هناك أى سبب للإسراع فى «شراء» محطة للطاقة النووية، إلا إذا كنا وصلنا إلى مرحلة متقدمة فى الأبحاث النووية مثل الهند.. لكن التعاقد على محطة لا دخل لنا فى تصميمها ولا نعلم ماذا يحدث بداخلها لا لزوم له.

ومن الناحية الجيولوجية الطاقة النووية ينتج عنها مواد مشعة بعد الاستخدام، ولا نعلم بعد كيف نخزن هذه المواد فى باطن الأرض لأنها تزيد درجة حرارة الصخور، وربما يترتب عليها زلازل، هذه المواد تعيش آلاف السنين ولا نعلم بعد كيف نحفظها أو نتعامل معها.

■ لكن هذا قد يؤخرنا كثيراً فى طرق باب العلم الحديث والاستخدام السلمى للطاقة النووية وما قد يترتب عنه من نقلة نوعية لمصر؟

- لقد تأخرنا بالفعل بمقدار نصف قرن، ومن الأفضل أن نكون معرفيين ونبنى قدراتنا الفنية كما فعلت الهند وباكستان وإيران أولاً قبل أن نطرق هذا الباب.

■ كيف نتمكن من مواجهة الاستهلاك المتزايد للطاقة؟

- يمكننا تطوير الطاقة الشمسية فى الصحراء الغربية لتحقيق جميع احتياجاتنا فى وادى النيل، كما أنه يمكن الاعتماد فى منطقة البحر الأحمر على طاقة الرياح.

■ فى رأيك ما مستقبل مشروع ممر التنمية بعد الثورة.. وهل حدث أى اتصال بينك وبين حكومة «شرف» أو المجلس العسكرى بهذا الشأن؟

- يسعدنى أن الغالبية العظمى من شعب مصر، مقتنعة تماماً بأهمية ممر التنمية، لفتح آفاق جديدة للعيش الكريم، بتوسيع المساحة المستخدمة من مصر، ودعم آمال الجيل الصاعد فى بناء مصر القوية المنتجة التى تؤهل الحياة السعيدة، والدكتور عصام شرف وكل الوزراء والمسؤولين مقتنعون بأهمية المشروع ولزوم بدء العمل فيه الآن، حيث إنه ربما يحتاج عقداً كاملاً من الزمان لإكماله فى صورة متميزة، وفى حقيقة الأمر أنا لم أتطوع للحديث عن المشروع إلا مع عامة الناس فى مصر، لأنه مشروع العامة وهم من سينفذونه، ورؤساء الوزراء أو الوزراء هم من يسألوننى أن أوضح لهم أبعاد المشروع.

■ هل مصر عرضة للمجاعة المائية، كما تشير كل النظريات العلمية؟

- كل النظريات القائلة بذلك غير مثبتة علمياً.. وأنا لدى نظرية مختلفة تماماً عما قيل، هى أيضاً غير مثبتة، لكنه اجتهاد أظنه صحيحاً، فالنظرية القديمة تقول إن ارتفاع درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ سيؤدى إلى التصحر لقلة المياه وبالتالى قلة الأراضى الزراعية، أما نظريتى فبنيتها على سؤال بسيط هو: من أين تأتينا المياه العذبة؟ الإجابة: من البحر حيث يحدث تبخر عن طريق أشعة الشمس، يتصاعد البخار إلى أعلى ويتكثف فى الطبقات العليا، ويكون السحب بكثرة، والتى تتساقط على هيئة أمطار، والمطر الغزير يكون من نصيب شمال وجنوب خط الاستواء، وهذا يعنى أنه بارتفاع درجات الحرارة يزداد البخر فيزداد المطر فتنكمش الصحراء، وإذا قلت درجة الحرارة قل البخر، وانكمش المطر واتسعت الصحراء، فقصة سيدنا يوسف التى تقول إن هناك سبع سنوات عجاف هى حقيقة علمية، لأنه منذ أن بدأت أعمل فى أبحاث الصحراء، وجدت أنه فعلاً كل حوالى ٧ سنوات يحدث هطول للمطر بعد التصحر، والعلم أثبت بعد ذلك أن هذا الأمر له علاقة بالتفجيرات على سطح الشمس ولا علاقة للأرض بذلك، لكن نظريتى هذه أخص بها الحزام المتاخم لخط الاستواء شمالاً وجنوباً ومنها منطقتنا، لكن من الممكن أن تنقص المياه فى مناطق أخرى مثل أمريكا والصين.

■ ننتقل إلى أزمة غرق الدلتا المصرية.. هل الغرق محتمل أم حتمى؟

- الدلتا ستنزل تدريجياً ناحية الشرق، أى ناحية بحيرة البرلس والمنزلة، وسيكون النزول بالمليمترات، سيصل بعد مائة عام إلى نصف متر والبعض يقول متر وهى حقيقة علمية لا خلاف حولها.

■ لكن هناك خلافاً حول كيفية التصدى لهذه الظاهرة.. ما وجهة نظرك فى الحل.. وإلى أى مدى ستكون فكرة الحوائط والمصدات عملية.. وهل أنت مع فكرة سحب المياه الزائدة إلى منخفض القطارة؟

- أتمنى ألا نشغل أنفسنا بحوائط للصد هنا وهناك، أو أى فكرة أخرى، لأن الواقع يقول إن الدلتا «هتنزل هتنزل» لذا يجب أن ندرس حجم نزول الدلتا والمساحات التى ستغطيها المياه، والبشر الذين يسكنون هذه المناطق الآن وعلى مدار مائة عام، ونخرج خارج حزام البحر المتوسط تماماً، ونبنى مدناً ومساحات تستوعب حجم المناطق المنكوبة فى الصحراء، ويتم ترحيل الناس إليها شيئاً فشيئاً، وأمامنا مائة عام، وهى مدة كافية للغاية لو بدأنا من اليوم، وأنا أرى فى ممر التنمية الحل المؤكد للأزمة، لأنه يبعد عن البحر المتوسط، وينشئ مصر الموازية فى الصحراء ويحل أزمات التكدس فى الوادى والدلتا، ولنستغل المليارات التى ستنفق فى المصدات والحوائط وغيرها فى البداية فى مشروع ممر التنمية، وهنا أكون ضربت عشرة عصافير بحجر واحد.

■ لكن هناك خلافاً حول ممر التنمية بين العلماء؟

- نحن العلماء نقترح ونقدم أفكاراً، وننتظر لنراها جيدة وقابلة للتنفيذ أم لا؟ ولا يحزننى على الإطلاق خلاف العلماء حول مشروعى فهذا حقهم.

■ البعض قال إن ما تقدمت به من أبحاث وصور لمشروع «ممر التنمية» ليس وافياً.. وقالوا إن المشروع «مرتبك»؟

- كل من قال هذا لم يقرأ كتابى ولا مقالاتى، والتى قدمت نسخاً منها للحكومة المصرية السابقة، لأن كل ما يخطر على بال إنسان من صور بالأقمار الصناعية وخرائط جغرافية تم تضمينها المشروع، وكل شبر أحكى عنه فى المشروع له إثباتات على أسباب اختياره.

■ لكن الدكتور رشدى وهو عالم كبير انتقد هو الآخر المشروع؟

- أنا أقدر الدكتور «رشدى» جداً وأحترم رأيه، وقد بلغنى بالفعل أنه قال: «إيه اللى فاروق عايز يعمله ده؟! عايز يعمل طريق فى الصحراء الغربية، ما إحنا عندنا طرق كتير» وعلى ما يبدو أن الدكتور «رشدى» لم يقرأ المشروع، بل سمع عنه فقال ما قال، وردى عليه أنه: يا دكتور رشدى أنا لم أقل أننى أريد عمل طريق فى الصحراء ولا أن يمر بجانب الواحات، أنا قلت ممر للتنمية أى قطار سكة حديد، وخط مياه، وخط كهرباء و١٥ طريقاً عرضياً من الوادى والدلتا إلى طريق مواز لها فى الصحراء الغربية، على أن نبدأ بتنفيذ الطرق العرضية أولاً، واعتمدت فى مشروعى على صور التقطت بالأقمار الصناعية لهذه المناطق، والخرائط الجيولوجية والطبوغرافية جزء بجزءاً، وما أريده هو عمل مكان ينفع لإقامة ٢٠ مدينة متكاملة و٤٠ ألف قرية ليتم توسيع حزام المعيشة.

■ هل خط مياه من النيل يكفى مشروعاً بهذه الضخامة؟

- معظم الأماكن التى اخترتها بها مياه جوفية حلوة متسربة من النيل وليست أمطاراً، وهى مياه متوافرة بكثرة بل وعلى الدوام، واخترتها لهذا السبب، ومعظم الطرق التى رسمتها تمر بمصادر طبيعية من المياه والمعادن وغيرها، كما سيتم مد خط مياه عرضى لها من النيل، كما سنمد خطوطاً من الكهرباء إضافة إلى استخدام السخانات الشمسية، وكله مكتوب فى الدراسة المقدمة.

■ البعض قال إن تنمية سيناء أهم من تنفيذ «ممر التنمية»؟

- وارد طبعاً.. وكل الأفكار مطروحة، أنا عندى نظرية وهناك نسخة منها فى رئاسة الوزراء، والمشروع متاح للجميع للاطلاع عليه على النت، لكن أنا رأيى أن الإنسان المصرى بحكم تركيبته لا يستطيع الابتعاد عن النيل كثيراً لذا فكرة ممر التنمية هى الأقرب لتركيبته.. لكن فى المقابل الحكومات القادمة هى التى ستحدد الأولويات.

■ ما آخر موقف للنظام السابق من المشروع قبل قيام الثورة؟

- آخر خطوة كانت قيام الدكتور عثمان محمد عثمان، بتشكيل لجنة لدراسة المشروع، والتى أثبتت أنه مخرج لمصر من العديد من الأزمات، وأعلنت هذه النتائج، لكن الموضوع يتوقف على التمويل، وكان هناك تفكير فى طرحه للاكتتاب العام وللاستثمار للشركات الخاصة، أو أن تساهم الحكومة بجزء والقطاع الخاص بجزء.

■ والآن؟

- أفكر فى إنشاء مؤسسة باسم «ممر التنمية» لها مجلس إدارة ويطرح المشروع للاكتتاب العام على أن نبدأ بجنيه قيمة السهم لنشجع جميع المصريين على شراء أسهم فى المشروع ليشعروا بالانتماء لبلدهم، وأن المشروع ملكهم.

■ المهندس حسب الله الكفراوى قال لى فى حوار معه إن ممر التنمية ليس فكرتك.. بل فكرة الرئيس الراحل أنور السادات؟

- ابتسم قائلاً: لا يهم المشروع فكرة مَنْ، فكرتى أم فكرة «السادات».. المهم أن ينفذ المشروع.

■ مؤخراً تم افتتاح العمل فى منجم جبل السكرى، الذى قيل إن كميات الذهب به ستنعكس على الاقتصاد المصرى.. ما تقييمك لهذا المنجم؟

- الفراعنة هم من اكتشفوا منجم جبل السكرى، وليس الحكومات المصرية الأخيرة، وجميع مناجم الذهب التى نعمل فيها هى من نفايات المصريين القدماء، وما تبقى منهم، وكلها اكتشافهم، لكن أيام الفراعنة كانت الوسائل فى استخراج الذهب محدودة، لذا كانوا يأخذون عروق الذهب السميكة من المناجم، أما الأجزاء البسيطة فلا يلتفتون إليها، لأنهم لم يعرفوا كيف يكسرون صخرة لتصبح بودرة، ثم يتم تسخينها فى درجة حرارة معينة ليفصل الذهب ليخرج أوقية أو اثنتين من الذهب، ونحن كجيولوجيين نعرف أن هذا الموقع ومواقع أخرى بها ذهب، ولم يتم استخراجه لضعف الإمكانيات، لكن عندما تم استجلاب شركات أجنبية، وتوافرت إمكانيات تم استخراجه، فلم تكن لدينا تكنولوجيا تركيز الخام واستخراجه، ومخطئ من يقول إنه اكتشاف جديد.

■ هل الكمية بالفعل كبيرة لدرجة أنها ستنعكس على الاقتصاد المصرى إيجابياً؟

- نعم لكن هذا يتوقف على طريقة استخداماتها والمجالات التى سينفق عائدها عليها، وسبق أن قلت عندما أعلن فى السابق عن ذلك: لو أخذوها واستمروا فى بناء العقارات يبقى «بيلبخوا» لكن لو أنفقت على التنمية الصناعية أو الزراعية، وفتح مجالات للعمل أو تحسين التعليم، نكون استفدنا من هذا الكنز.

■ هل توجد مناجم أخرى لدينا غنية بالذهب؟

- نعم فى أقصى جنوب غرب مصر فى هضبة الجلف الكبير، هناك قنوات بها نسب من الذهب، لكن لا نعرف كيف نستخرجها لأنه لا توجد طرق ولا مياه ولا أى شىء، لكن كجيولوجيين نعرف الصخور التى تحتوى عليها.

■ هل لدينا عناصر أخرى مهمة فى الصحراء ذات قيمة اقتصادية؟

- لدينا عدد من العناصر الثقيلة، وعناصر قليلة التواجد مثل الليثيوم والتيتانيوم، لكن أيضاً ليس لدينا تكنولوجيا للحصول عليها، فكل العالم تطور فى مجال المناجم إلا نحن، عموماً نحن نحتاج إلى تطوير الصناعة بكل أشكالها من أعمال المناجم، وحتى تصنيع المواد الخام، لا أن نستجلب شركات أجنبية أو أن نشترى مصنعاً جاهزاً، علينا تصنيع كل شىء حتى نستطيع التحكم فى الأسعار.

■ ذكر أحد قادة الجيش الإسرائيلى أنهم وجدوا فى سيناء خام اليورانيوم بما يكفى مفاعلهم النووى، وأن ذلك عرف عن طريق تنكر بعض المهندسين ودخولهم سيناء.. ما تعليقك.. وهل يوجد فى سيناء اليورانيوم بكثرة؟

- عندما كان الإسرائيليون فى سيناء أجروا مسحاً شاملاً لأرضها بالكامل، ويعلمون تماماً ماذا يحوى كل شبر أرض فيها، والمدة من عام ٦٧ حتى ١٩٧٣ كانت كافية للغاية لهم، فقد أخذوا عينات من كل المناطق، ولم يكونوا فى حاجة للتخفى، لكن هذه إحدى ألاعيبهم ليتم تضخيم الدور الذى يلعبونه واستعراض قدراتهم الاستخباراتية، لينفخوا فى أساطيرهم وقدراتهم، وهم نشروا التحليلات والخرائط التى توصلوا إليها، ونحن نعرف أيضاً هذه النتائج، وبالفعل لدينا صخور رسوبية بها خام اليورانيوم فى سيناء والصحراء الشرقية ومناطق فى جنوب الصحراء الغربية.

■ هل تكفينا كميات «اليورانيوم» لو قررنا قرع باب الإنتاج النووى؟

- لو طورنا التكنولوجيا الخاصة بتركيز الخام وكيفية استخراجه نستطيع توفير الخام الذى نريده.

■ ماذا عن اليوم؟

- «مانقدرش».

■ أعلن الرئيس الأمريكى أوباما فور توليه رئاسة أمريكا اهتمامه بالتعاون فى مجال العلوم مع مصر ورغبته فى عمل برامج حكومية لدعم البحث العلمى.. كيف تقرأ ذلك؟

- «أوباما» مهتم جداً بهذا الجانب، وعرض على الجانب المصرى آنذاك أن يحدد المجالات، التى يريدون دعماً أمريكياً لها، سواء مالياً أو بالخبرات والتكنولوجيا، وطلبت مصر بالفعل جزءاً من الدعم لأبحاث الطاقة البديلة، الرياح والشمس والنووى، وخصص «أوباما» لهذا الشأن مبالغ ضخمة، وعلى المؤسسة التى تريد إجراء البحث العلمى فى مصر التقدم للحكومة الأمريكية وأخذ المخصصات اللازمة.

■ كيف تقيم مستوى البحث العلمى المصرى؟

- مستواه «واطى جداً»، مصر لا تستحق أن تكون فى هذا المستوى، مقارنة بالعقول المصرية والعلماء المحترمين، الذين أفرزتهم على مدى السنين، فكيف لماليزيا وكوريا الجنوبية، وكل من كنا نفوقهم فى مستوى العلم والتقدم أن يصبحوا أفضل منا؟!.. كيف ينتجون ونحن لا ننتج؟! عموماً عندما تريدين معرفة مستوى بلد فى الاقتصاد أرصدى ماذا يستورد وماذا يصدر.

■ بمعنى؟

- عندما تجدى أن مصر لا تزال تستورد طعامها من الخارج، فهذا يعنى أننا لا نزرع بشكل صحيح، ولا نستخدم المحاصيل الصحيحة، وليس لدينا فكر زراعى صحيح، وهذا يعنى إما أنك لا تجرى بحثاً علمياً جيداً أو أن بحثك العلمى لا تستخدمه الحكومة.

■ أيهما كان متبعاً فى مصر؟

- الاثنان.

■ منذ أشهر واجهت مصر أزمة طماطم.. كيف قرأت حينها تلك الأزمة؟

- الأزمات الكبرى من هذا النوع فى مصر تدل، من وجهة نظرى، على أن الناس أصبحت تفكر فى «تفاهات»، فلابد ألا يكون ارتفاع سعر الطماطم أزمة على الإطلاق، وطوال عمرنا كنا نقول إنه لا يوجد فى الأسواق كذا ثم نسكت، وتخلص الحكاية، عندما تكون هذه السلعة متاحة فى الأسواق نشتريها، وإذا كانت متاحة لكن غالية الثمن نبتعد عنها لحين هبوط سعرها أو نجد لها البدائل وانتهينا. «مفيش طماطم أو غالية خلاص نطبخ بغيرها».. هكذا كنا نتقبل تلك الأوضاع، أما الآن فلا أحد يريد أن يتقبل أى شىء.

■ هل المواطن يتحمل اللوم وحده؟

- لا أعفى الحكومات عندما لا توفر المنتج بسعر مناسب، لكن اللوم الأكبر يقع على الناس التى ينصب تفكيرها فقط حول أسعار الطعام.

■ لكن أزمة الطماطم لم تكن تعكس أزمة فى الغذاء فقط بل أيضاً أزمة فى البحث العلمى، لأن الخبراء كانوا يعلمون بارتفاع درجات الحرارة، ولم تتم زراعة أصناف خالية من الأمراض.. ولم تتم زراعة سلالات تحقق وفرة؟

- ربما كان خبراء الزراعة يعلمون بكل ما تقولين، ولم يبلغوا المسؤولين، وربما علم المسؤولون بذلك آنذاك، لكن لم يعملوا على حل الأزمة قبل وقوعها، لأن الأمور فى مصر «كانت سايحة»، ولم يوجد مخطط يسير خلفه الناس، وأرجع للقول بأن سبب كل هذه الأزمات هو أننا متكدسون بشكل خيالى، أكبر من أى دولة فى العالم، فالقاهرة بها أكثر من ٢٠ مليون نسمة يعيشون فى مكان واحد، لا يزرعون طعامهم، بل ينتظرون أن يأتيهم تحت عماراتهم، وهذا يعنى أن أزرع طماطم لعشرين مليون شخص، وأنقلها بما فى العملية من تكاليف ومخاطر النقل، نحن فى حاجة إلى مشروع حضارى ينقذ مصر مما هى فيه.
----------------
نشرت في المصري اليوم بتاريخ 16-4-2011
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=293721

فاروق الباز

العالم الكبير فاروق الباز فى حوار «كاشف»:
«ترعة السلام» مليئة بالعيوب وتوشكى معزولة.. ولن أيأس من «ممر التنمية»
----------------------------------
حوار رانيا بدوى ٢٩/ ٣/ ٢٠٠٩
---------------------------------


وضعت الحرب على غزة الأخيرة الكل فى مأزق، فوصول الصواريخ الإسرائيلية إلى الحدود المصرية والمطالبة بقوات دولية على الحدود المصرية لمراقبة الأنفاق أعادت طرح السؤال القديم: إلى متى سنترك سيناء صحراء جرداء، والبدو فيها ما بين منتم للوطن وناقم عليه.. ولماذا لا نكمل حلم الرئيس السادات بتعمير سيناء، وبناء حائط صد بشرى بيننا وبين إسرائيل؟!

واستبشر المصريون خيراً عندما دفعت أحداث غزة والأزمة المالية العالمية الحكومة المصرية لإعادة النظر فى ملف سيناء وطرح أفكار تحت عنوان عام وهو «التنمية المتكاملة لشبه جزيرة سيناء» لردع الخطر الإسرائيلى من ناحية، والمساهمة فى حل الأزمة المالية بالاستثمار فى الأرض المباركة من ناحية أخرى،

ولكن الفرحة تحولت سريعاً إلى غصة عندما صرح الدكتور محمود أبوزيد، وزير الرى السابق فى حوار نشرته «المصرى اليوم»، بأن الحكومة ستطرح ما تبقى من ترعة السلام لاستثمار القطاع الخاص وهو ما أعادنا لنقطة الصفر من جديد ودفعنى لمقابلة الدكتور فاروق الباز عالم الچيولوچيا العالمى ومدير مركز دراسات الفضاء بجامعة بوسطن لفتح ملف أكبر مشروعين قوميين فى مصر «ترعة السلام» و«توشكى»،

فكانت المفاجأة الأولى أنه لم يتم استشارته فى المشروعات القومية الكبرى المرتبطة بمجال تخصصة، رغم ما وصل إليه من عالمية واعتراف دولى بأبحاثه وعمله فى أكبر مؤسسة فضاء فى العالم «وكالة ناسا» والمفاجأة الثانية كانت الطريقة التى تدرس بها هذه المشروعات التى تكلف الدولة المليارات ويعقد عليها مستقبل الأجيال القادمة..

وردود المهندسين القائمين على تنفيذ هذه المشروعات والتى يقول عنها عالمنا فاروق الباز إنها «تخبيص وكلام فارغ».. فى حوار يكشف فيه لأول مرة كواليس دراسة «ترعة السلام» و«توشكى»:

* دكتور فاروق هل أنت راض عن مشروع ترعة السلام بوضعه الحالى؟ وهل لديك أسباب علمية لتوقف المشروع أم أنها فقط أسباب مالية كما تصرح الحكومة؟

- ترعة السلام فكرة رائدة ومبادرة طيبة كان الغرض منها توصيل مياه نهر النيل إلى سيناء، إذ كان الرئيس الراحل أنور السادات مقتنعاً بضرورة تعمير سيناء لإعاشة عدة ملايين من البشر وحل أزمة التكدس السكانى فى وادى النيل والدلتا، ولأنه كان يشعر أن خلو سيناء من الناس يشجع الغزاة والطامعين فى واجهة مصر الشرقية.

لم يتم التخطيط لـ«ترعة السلام» بناء على معرفة مستفيضة بخواص المكان والتربة المحلية، وأول مشكلة، حفر بداية الترعة فى سهل الطينة دون تغليفها..

وقد زرت المكان مع مجموعة چيولوچية وقابلنا المهندس المسؤول وأوضحنا أنه إذا لم تغلف الترعة فى هذه المنطقة فسوف تختلط مياه النيل بالمياه المالحة فى سهل الطينة الذى لا تنمو فيه نباتات وقلت للمهندس «الأرض التى نقف عليها الآن متشبعة بالمياه ومع ذلك أنظر على مدى النظر فى المساحات الشاسعة من حولك هل توجد أى نبتة خضراء، هل يوجد برعم واحد رغم وجود المياه؟ مستحيل أن ينمو الزرع لأن الملوحة زيادة عن اللزوم»..

فقال المهندس إنهم درسوا ذلك وجزموا بأن المياه الحلوة سوف تطفو فوق المياه المالحة.. فذكرنا لهم أن ذلك يتم فى وسط هادئ وبعمق كبير للمياه ولكنه لم يقتنع.. واستمر فى العمل بقناعاته التى أدت إلى توقف المشروع.

* وكيف نحل أزمة سهل الطينة؟

- ببساطة عن طريق تغليف مجرى المياه فى طول المسافة التى تسير فيها المياه بالأسمنت.

* وهل تم الأخذ برأيك فى هذا المقترح؟

- لا.

* لماذا؟

- لا أعرف.. ولاتنس أن هذه البرامج لها خطة وميزانية وتقوم شركات بتنفيذها ولو أخذ رأينا قبل إعطاء هذا العرض للشركات كان من الممكن تدارك المشكلة من البداية لكننا أحياناً نعرف بالمشروع بعد إسناده للشركات والاتفاق معها فيكون الموضوع قد انتهى.

* إذا كانت الحلول بهذه البساطة فما العقدة إذن.. ألا يملك المهندسون القائمون على هذا المشروع العلم الكافى لاكتشاف حل بسيط كهذا؟

- المهندس لا يعرف أن هذا أمر چيولوچى علمى وبالتالى لا يدرك الفارق بين لون الأرض السوداء من الصفراء، ولا يفكر لماذا لا ينبت الزرع بالرغم من أن هذا المكان مشبع بالماء.

* وأين الدراسات الخاصة بالچيولوچيا وطبيعة الأرض؟

- كل شىء مكتوب ومدون وموجود فى مكاتب الوزارات ولكن قلما يذهب أحد ليرى هذه الدراسات بل قليلون أيضاً يذهبون لمعاينة هذه الأماكن على الطبيعة.

* هل يتم الاعتماد على أهل الثقة أم أهل العلم فى إعداد المشروعات؟

- أهل الثقة موجودون فى كل شىء.. والمهندسون الذين أسندت إليهم المهمة لديهم الخبرة الكافية ولكن ليس لديهم العلم العام والرؤية الشاملة.

* الدكتور محمود أبوزيد، وزير الرى السابق أخبرنى أن الحكومة تدرس طرح ما تبقى من ترعة السلام للاستثمار لحل المشكلة فما رأيك؟

- بعيداً عن كل الحلول السياسية المطروحة أعتقد أن الحل العلمى هو مراجعة خطة «ترعة السلام» من أولها إلى آخرها، وليس هناك عيب فى الاعتراف بالخطأ لكى يتم تصحيح المسار فى صالح النفع العام.. أما الخطأ فهو التمادى دون مراجعة الخطة الحالية..

وأقترح إعداد دراسة مستفيضة من جديد لما تم إنجازه لكى يمكن التعرف على ما يجب فعله.. وتحديد المسار الآمن للقناة بناء على علم بالواقع، كما يجب البدء فى دراسات المؤسسات البحثية الحكومية وليس الشركات المنتفعة مثل مجموعة تضم خبراء من المساحة الچيولوچية ومعهد التربة ومركز الصحراء، عندئذ يمكن تعديل المسار وحماية مياه الترعة من التملح والتسرب.

* دكتور فاروق دعنى أنتقل معك إلى ملف ممر التنمية.. لماذا لم تنفذ الحكومة مشروع «ممر التنمية» الذى تقدمت به حتى الآن؟

- الحكومة ليست مسؤولة عن الرد على مقترحى بإنشاء ممر التنمية أعلى حافة الهضبة فى صحراء مصر الغربية بمحاذاة وادى النيل والدلتا فالحكومة فى النهاية حرة فى اختيار المشاريع التى تتفق مع خطتها ومع هذا فأنا أعلم أن رئيس الوزراء دكتور أحمد نظيف طلب من مجموعة وزارية النظر فى المقترح من نواحيه الفنية المختلفة، وأعتقد أن اللجنة برئاسة الدكتور عثمان محمد عثمان انتهت من الدراسة المذكورة وتعد تقريرها للعرض على رئيس الوزراء.

* قال لى وزير شاهد على هذه المرحلة إن ممر التنمية هو فكرة الرئيس السادات وليس فاروق الباز وقد طرحها أثناء جولة له مع رئيس السودان حيث وعد الشعب الشقيق بأن يكون لهم ميناء على البحر المتوسط وللوصول إلى هذا الميناء يجب أن يكون هناك ممر فى الصحراء الغربية بمحاذاة الوادى والدلتا ويمكن استغلاله لصالح مصر أيضاً؟

- الرئيس السادات كانت لديه مشروعات ممتازة فى إطار شعار «غزو الصحراء»، وقد سافرت معه إلى مواقع عديدة فى أنحاء الصحراء الغربية وواحاتها.. ولكن للتاريخ لم أسمع منه قط أى كلام عن إقامة ممر بمحاذاة الوادى والدلتا بهدف التنمية الزراعية والصناعية والسياحية ونقل الناس والمنتجات من مكان لآخر كما هو مخطط فى الممر، وإن كنت قد تحدثت عن هذا المشروع وفكرته الأولية فى بادئ الأمر مع شخصين الأول هو الصديق الدكتور إبراهيم كامل والثانى الصديق الوزير الأسبق المهندس حسب الله الكفراوى..

وهما فقط من أطلعتهما على الخطوط العريضة للمقترح قبل عرضه على الحكومة رسمياً فى منتصف الثمانينيات.. ومع كل هذا لا يهم أبداً من الذى اقترح أولاً، الأهم هو كيف نقوم بما ينفع مصر ويؤمن مستقبل أبنائها.

ممر التنمية عبارة عن خط يبدأ من العلمين ويسير بمحاذاة وادى النيل حتى يصل إلى حدود السودان، حتى يتم مستقبلاً الربط مع السودان، على أن يمر بأماكن المياه الجوفية، والثروات المعدنية وبالتالى يمكن إقامة مصانع فى هذه المنطقة، على أن يتم ربط هذا الممر بخطوط عرضية مع وادى النيل.

* ألا تراها مدة طويلة جداً فقد تقدمت بالدراسة بداية الثمانينيات ومازالوا يدرسونها حتى الآن؟

- عندما تقدمت بالمشروع فى الثمانينيات كانت الحكومة هى التى تقوم بتمويل هذه المشروعات والحكومة لم يكن فى استطاعتها القيام بذلك آنذاك، وليست لديها القدرة المادية إذ قيل لى صراحة وقتها «العين بصيرة والإيد قصيرة»، والقطاع الخاص فى مصر كان مهلهلاً وقتها..

لذا توقفت عن عرضه منذ عام ٨٧ وطوال هذه المدة كان المشروع لدى الحكومة حتى أعدت عرضه ثانية منذ حوالى عامين ونصف العام تقريباً. وتم تشكيل لجنة من ٤٠ شخصاً تدرس المشروع ولو رفضوه سأعيد عرضه مرة ثالثة ورابعة.

* ولماذا فى مشروع توشكى لم تكن اليد قصيرة؟

- هذا موضوع مختلف.. مشروع توشكى مساحته محدودة وكانت بها بركة مياه سابقاً، وسيتم توصيل المياه من السد العالى إليه عندما يأتى الفيضان، إضافة إلى المياه الجوفية الموجودة مسبقاً فالوضع أسهل.

* هل استشاروك فى موضوع توشكى؟

- لا. نهائياً، ولديهم علماؤهم.

* ألست من علمائهم؟

- لا، وعمرى ما كنت داخل المطبخ الحكومى.

* ولكنك عالم مصرى والمشروع وطنى قومى؟

- لو استشارونى لأدليت فوراً برأيى ولكن لم يحدث.

* ولكنك اعترضت فى البداية على أمور فنية فى المشروع وليس فقط فكرة ربطه بالوادى والدلتا؟

- كنت فعلاً من المعترضين فنياً فى البداية، حيث كانت الفكرة الأولى هى نقل المياه بكميات هائلة من بحيرة ناصر على مدى ٨٥٠ كيلو متراً مروراً بالواحات الخارجة والداخلة حتى الفرافرة، وكان ذلك المخطط يشمل ترعة مفتوحة بعرض ٢٠٠ متر وعمق ٣٦ متراً، وكان ذلك فى نظرى ونظر الآخرين شيئاً لا يعقل، لأن نقل كمية هائلة من المياه فى ترعة مفتوحة إضافة إلى التبخر، ينتج عنه مشكلات عديدة، منها أن القناة معرضة للطبيعة، وبالتالى لا يمكن أن تمر بسلام وسط الكثبان الرملية التى يمكن لأى منها أن تسد القناة المفتوحة مراراً،

وقمت بإعطائهم دراسة كاملة عن سلبيات هذا المشروع، وقلت إن هناك ضمن المجرى ٧١ كيلو خطوطاً للكثبان الرملية ستؤدى إلى سد المجرى، وقيل لى إنه يوجد جهاز لتنقية المياه من الرمال، وقلت وأين ستعرف مكان سد الرمال؟ ولو لديك هذا الجهاز أين ستضع فيشة الكهرباء.. فى الجبل أم فى الصحراء؟! يعنى كلام مالوش لازمة، وغير علمى.

ثانياً: هناك طبقة من الطفلة غير المسامية تغطى أسطح كل المنخفضات فى الصحراء الغربية التى توجد فيها الواحات، والطبقة الطينية توجد فقط هنا وهناك، إذن فإن وصول كميات هائلة من المياه إلى الواحات دون أن يمكن تصريفها لأنها فى منخفضات سيؤدى إلى تجمع المياه، وبالتالى تكون مرتعاً للذباب والناموس، وما يأتى معهما من الأمراض التى تلوث البيئة المحيطة بأكملها، مما يؤدى إلى كارثة للمنطقة بالكامل.

* قيل إنك تقدمت لرئيس الجمهورية برسالة عاجلة تشرح له فيها الوضع وأسباب اعتراضك، بعدما نصحك المهندس حسب الله الكفراوى بذلك، ونقل الرسالة للرئيس شقيقك الدكتور أسامة الباز؟

- لم أتقدم بمذكرة لرئيس الجمهورية، لأنه لا يخطط للمشروعات التنموية، ولكن هذا العمل يقوم به الجهاز الحكومى التنفيذى، لذلك قدمت اعتراضى على المشروع فى شكله الأول لرئيس الوزراء فى ذلك الوقت كمال الجنزورى، وكذلك إلى وزير الزراعة واستصلاح الأراضى الدكتور يوسف والى، وألقيت محاضرات فى هذا الصدد أولاً فى نقابة المهندسين، ثم الجمعية الجيولوجية، ثم الجامعات، ومنها إلى الصحافة ووسائل الإعلام.

* وهل أخذوا برأيك؟

- فى نهاية الأمر اقتنع الدكتور يوسف والى بما أقول، خاصة قبيل لقائنا مع الوزيرة الدكتورة فينيس جودة التى كانت وزيرة الدولة للبحث العلمى آنذاك، وبحضور مجموعة من وكلاء الوزارة والمتخصصين فى أمور التربة والمياه وما إلى ذلك، وأعلن الدكتور يوسف والى أن قناة توشكى بدلاً من مدها لمسافة ٨٥٠ كيلو متراً سوف تقتصر على ٦٧ كيلو متراً،

إضافة إلى ١٠٠ كيلو متر من القنوات الفرعية التى توصل المياه إلى أماكن صالحة للزراعة غرب بحيرة ناصر، ومعنى ذلك أن المشروع اقتصر على استصلاح الأراضى الصالحة للزراعة غرب البحيرة، مع الاستفادة من مياهها، وهذا شىء يجب أن نشجعه لأن فيه الخير لمصر.

* رغم أنهم أخذوا باعتراضاتك الأولى ونفذ بشكل تراه مناسباً كما قلت، فإن نتائج مشروع توشكى لم تظهر بعد؟

- مشروع توشكى منعزل، وعدم وجود طريق سهل وسكة حديد سريعة لنقل الناس والبضائع من وإلى باقى أجزاء الوطن، هو سبب عدم الاستفادة الكاملة من المشروع، وعدم لمسه على أرض الواقع، لذا يصعب إقامة حياة مستدامة فيه.

* هل منطقى أن يدفع فى مشروع المليارات وفى النهاية لا توجد به حياة مستدامة، وهل يجب أن نغض البصر عنه مادامت المسائل الفنية فيه صحيحة؟

- الحل فى ممر التنمية، فهو الذى سيحل مشكلة توشكى فى غمضة عين، وهو ليس حلاً لتوشكى وحدها، وإنما للتزايد السكانى وللتوسع العمرانى ومدخل للتنمية والاستثمار.

* هل يوجد فى مصر منهج علمى نسير عليه؟

- المنهج العلمى واحد فى جميع أنحاء العالم ولا يتغير.

* إذن ما مشكلتنا؟

- إننا كمجتمع لا نضع خطين تحت أهمية العلم والتعليم، فنحن لا ننظر للعلم على أنه الهدف الأساسى فى الحياة، ولو فعلنا لتغيرت حياتنا، وما نفتقده فى مصر هو وجود الدافع الشخصى لجمع العلم والمعرفة وثقة طالب العلم فى أن استمرار دراسته وتقدمه فى مجال العلم، يعنى مزيداً من ثقته بذاته ومزيداً من احترام الآخرين له.

*وما سبب نظرتنا المتجاهلة للعلم.. المواطن أم طريقة التربية فى البيوت والمدارس، أم نظام الحكم، أم الحالة الاجتماعية من فقر ومعاناة اقتصادية، أم كل هذه العوامل مجتمعة؟

- السبب فى تكميم الطفل الصغير وهو ظاهرة أسرية مصرية لا يوجد لها مثيل فى العالم، ويتسبب الآباء باتباع سياسة إخراس الأبناء فى قتل كل منابع الإبداع والتفكير لدى الطفل، سواء داخل الأسرة أو فى المدرسة، فأنا أتذكر أن مدرس الأحياء فى المدرسة الثانوية كان يعطينا الفرصة لتشريح الحيوانات، وكان هناك تشجيع للتجريب والمبادرة.

أما الآن فالمدارس لا تعطى الفرصة للطالب حتى يعبر عن رأيه، والأمر نفسه يحدث فى الجامعة، وكذلك فى العمل، ويتم تحطيم روح المبادرة عند الإنسان منذ الطفولة، فماذا تتوقعين لحال العلم بعدها؟!

* هناك دراسة لمنظمة العمل العربية تتحدث عن العلاقة بين البحث العلمى والاستبداد السياسى وديكتاتورية الأنظمة الحاكمة؟

- فى نظرى أن هذا لا يدخل ضمن ديمقراطية الدولة أو عدمها ولا أربط بين الاثنين، والدليل أن روسيا والصين لا يوجد عندهما ديمقراطية من أى نوع، ومع ذلك متقدمتان علمياً، ورغم وجود التكميم السياسى فإن الفرد تتم تربيته وتعليمه بشكل جيد، ويتم إطلاعه دائماً على المتغيرات، الحكاية ليست ديمقراطية ولكن نظرة الإنسان إلى الطفل الصغير، ووضع حقوقه فى الاعتبار وتربيته على منهج الاختيار والمبادرة والتجريب، فهم مستقبلنا وهم من سيبنون البلد وليس نحن.

* وماذا عن الفقر ألا يؤثر على رغبة الأفراد فى الحصول على العلم؟

- أنتمى لعائلة فقيرة، وكنت أحصل على مصروف شهرى ٣ «تعريفة» لأركب الأتوبيس ولم تكن تكفى، فكنت فى نهاية الشهر أسير يومياً من سراى القبة حتى جامعة عين شمس، وكان نصف الشهر يأتى علينا وليس فى البيت «نكلة» ولا طعام ولا شراب، وكنا نستلف من البقال ونأخذ منه الطعام الأساسى لنا على النوتة، حتى يأتى أول الشهر ويدفع أبونا الدين للبقال.

وليس عيباً أن يكون الشاب فقيراً، العيب ألا تكون لديه إرادة قوية لتحقيق ما يريد، والوضع ليس مفتعلاً له خصيصاً، بل هو وضع عام فى البلد «بلدنا كده» فهل نظل مسودى الوجوه وناقمين على الحياة أم نسعى لتحسين أحوالنا بالعلم، نحن فى حاجة إلى سحب حالة الإحباط من نفوس وصدور شبابنا إذا كنا نحبهم ونحب البلد ونريد له التقدم.

* هل أنت راضٍ عن مستوى التعليم فى مصر؟

- لا، على الإطلاق، والحل فى تحسين أحوال الجامعات وفتح باب المنافسة، فقد كان لمصر دور ريادى فى الرقى العلمى والفنى، ولكن انهار المستوى رويداً رويداً حتى تأخرت مصر فى كل فروع العلم والمعرفة، فى نفس الوقت الذى ازداد فيه دخل دول الخليج التى أنفقت الكثير على الدعم المالى للتعليم والبحث العلمى والصحة، فتقدم الكثير منها مثل قطر والسعودية والإمارات، وفى نفس الوقت خطت دول فقيرة مثل الأردن وتونس وحتى سوريا خطوات لا بأس بها، ولكن الوضع فى مصر مازال محزناً.

* هل تعتقد أن مصر فى الظروف الحالية قادرة على إنشاء مشروع نووى سلمى؟

- لو تمت الاستعانة بالشباب المصرى وضمهم إلى برنامج تدريب محدد لغرض ما ممكن جداً أن يصبحوا أفضل من أى مكان فى العالم.

* وهل لدينا هذه المراكز القادرة على التدريب والتأهيل؟

- يوجد لدينا البعض ولا يوجد الكل، ولكن ما الذى يمنع إرسالهم فى بعثات للخارج مثل الهند وروسيا وأمريكا، وأقوم بتجميع كل العلم لنصل لأفضل شىء، وصدقينى من الممكن أن يصل شبابنا إلى أفضل مما توصلت إليه باقى الدول، فالخامة المصرية بالتدريب الجيد ممكن أن ترتقى إلى أفضل مستوى.

* ألا تعتقد أننا تأخرنا كثيراً فى هذا المجال؟

- المشروع مطروح منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وكان هناك علاقة بين عبدالناصر ونهرو فى الهند، واتفقا على التعاون فى مجالى تصنيع صواريخ تذهب إلى القمر وقنابل نووية، وقد صنعت بالفعل الهند صواريخ ترسلها إلى القمر بل وصنعت القنبلة الذرية، فى حين أننا لم نرسل صاروخاً للقمر وعملنا هيئة الطاقة الذرية التى لم تنتج لا قنبلة ولا «نووى سلمى»، ومفاعل إنشاص لم ينتج شيئاً، فهل هذا يصدق؟!

الهند التى كانت أفقر منا فى الستينيات وكانت لديها مجاعة، بل والأدهى أنها تتحدث حوالى ٣٠٠ لغة ولديها تعددية دينية ومختلفون مع بعضهم البعض فى الثقافة والطبقات الاجتماعية، ومع ذلك أصبحوا أفضل منا ولم نفعل ربع ما فعلته الهند، فقد تأخرنا كثيراً، الهند التى كانت تعانى مجاعات كل سنة وقفت مع نفسها وقالت سنطعم أنفسنا خلال ١٥ سنة.. وعملوها.

مصر تستطيع بسهولة أن تعود منارة للمنطقة إذا أصلحت ونستطيع أن نفعل ذلك فى عقدين من الزمان كما فعلت دول مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية وتركيا، وأملى كبير فى أن تستعيد مصر بفضل شبابها مكانتها بين الأمم.

* ماذا لو تم إسناد المشروع إلى شخص لا علاقة له بالعلم بعدما تردد عن إسناده من الباطن لبعض رجال الأعمال وشخصيات حكومية؟

- سيخرب.

* وما رأيك فى أن يكون على رأس المجالس العلمية المتخصصة فى مصر رجل سياسى؟

- يبقى البحث العلمى فى مصر حيخرب، لأنه لا يمكن لهذا الشخص أن يدعم أفكار العلماء، وتدعيم مشروعاتهم وأى مشروع وقتها لن يصلح بل سيفسد.

«ولا أعرف إذا كان الدكتور فاروق الباز يعرف أن السيد كمال الشاذلى على رأس المجالس المتخصصة أم أنه أجاب فى العموم لأنه غير متابع لحركة رؤساء الهيئات فى مصر بحكم تواجده خارج البلاد».
---------------
نشر في المصري اليوم بتاريخ 29-3-2009
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=204703

المتابعون